تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
لمخلوق كسب ولا تعمل في تحصيل مقام لم يخلق عليه ، بل قد وقع الفراغ من ذلك ، فجميع الأحوال اختصاص ، والكسب اختصاص ، فإذا علمت هذا علمت أن الملائكة ما لها كسب بل هي مخلوقة في مقاماتها لا تتعداها ، فلا تكتسب مقاما وإن زادت علوما ولكن ليس عن فكر واستدلال ، لأن نشأتهم لا تعطي ذلك مثل ما تعطيه نشأة الإنسان ، والقوى التي هم عليها الملائكة المعبر عنها بالأجنحة ، وقد صح في الخبر أن جبريل له ستمائة جناح ، فهذه القوى الروحانية ليس لها في كل ملك تصرف فيما فوق مقام صاحبها ، مثل الطائر عندنا الذي يهوي سفلا ويصعد علوا ، وأجنحة الملائكة إنما تنزل بها إلى من هو دونها ؛ وليس لها قوة تصعد بها فوق مقامها ، فإذا نزلت بها من مقامها إلى ما هو دونه رجعت علوا من ذلك الذي نزلت إليه إلى مقامها لا تتعداه ، فما أعطيت الأجنحة إلا من أجل النزول كما أن الطائر ما أعطي الجناح إلا من أجل الصعود ، فإذا نزل نزل بطبعه وإذا علا علا بجناحه ، والملك على خلاف ذلك ، إذا نزل نزل بجناحه وإذا علا علا بطبعه ، وأجنحة الملائكة للنزول إلى ما دون مقامها والطائر جناحه للعلو إلى ما فوق مقامه ، وذلك ليعرف كل موجود عجزه وأنه لا يتمكن له أن يتصرف بأكثر من طاقته التي أعطاه اللّه إياها ، فالكل تحت ذل الحصر والتقييد والعجز ، لينفرد جلال اللّه بالكمال في الإطلاق ، لذلك قال تعالى متمّما
« إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
.

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 2 ]

ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 )

[ إمساك الحق تعالى عطاء ]

« ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ »
وهو العطاء الإلهي
« فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ »
وهو المنع الإلهي
« فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ »
واعلم أن اللّه ما أمسك شيئا عن إرساله إلا وإمساكه عطاء من وجه لا يعرفه صاحب ذلك الغرض ، مثل المستسقي ، فقد أعطاه الغرض وأمسك عنه الغيث ليستسقيه ، فيقام في عبادة ذاتية من افتقار ، فأعطاه ما هو الأولى به ، وهذا عطاء الكرم ، فلا تنظر إلى جهلك ، وراقب علمه بالمصالح فيك فتعرف أن إمساكه عطاء ، فمن مسكه عطاء ، كيف تنظره مانعا ولا تنظره معطيا ؟ وما تسمى بالمانع إلا لكونك جعلته مانعا حيث لم تنل منه غرضك ، فما منع إلا لمصلحة .