تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )
فلتتبعه في كل شيء لأن اللّه يقول :
« لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ »
ما لم يخصص شيئا من ذلك بنهي عن فعله ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : [ صلوا كما رأيتموني أصلي ] وقال في الحج [ خذوا عني مناسككم ] وإن حججت فإن قدرت على الهدي فادخل به محرما بالحج أو العمرة ، وإن حججت مرة أخرى فادخل أيضا إن قدرت على الهدي محرما بالحج ، وإن لم تجد هديا فاحذر أن تدخل محرما بالحج ، ولكن ادخل متمتعا بعمرة مفردة ، فإذا طفت وسعيت فحل من إحرامك الحل كله ، ثم بعد ذلك أحرم بالحج وانسك نسيكة كما أمرت ، واعزم على أن لا تخلّ بشيء من أفعاله وما ظهر من أحواله مما أبيح لك من ذلك ، والتزم آدابه كلها جهد الاستطاعة ، لا تترك شيئا من ذلك إذا ورد مما أنت مستطيع عليه ، فإن اللّه ما كلفك إلا وسعك ، فابذله ولا تترك منه شيئا ، فإن النتيجة لذلك عظيمة لا يقدر قدرها ، وهي محبة اللّه إياك ، وقد علمت حكم الحب من المحب - الحديث - وأما الورث المعنوي فما يتعلق بباطن الأحوال من تطهير النفس من مذام الأخلاق وتحليتها بمكارم الأخلاق ، وما كان عليه صلّى اللّه عليه وسلم من ذكر ربه على كل أحيانه ، وليس إلا الحضور والمراقبة لآثاره سبحانه في قلبك وفي العالم ، فلا يقع في عينك ولا يحصل في سمعك ولا يتعلق بشيء قوة من قواك ، إلا ولك في ذلك نظر واعتبار إلهي ، تعلم موقع الحكمة الإلهية في ذلك ، فهكذا كان حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيما روت عنه عائشة ، وكذلك إن كنت من أهل الاجتهاد في الاستنباط للأحكام الشرعية ، فأنت وارث نبوة شرعية ، فإنه تعالى قد شرع لك في تقرير ما أدى إليه اجتهادك ودليلك من الحكم ، أن تشرعه لنفسك وتفتي به غيرك إذا سئلت ، وإن لم تسأل فلا ، فإن ذلك أيضا من الشرع الذي أذن اللّه لك فيه ، ما هو من الشرع الذي لم يأذن به اللّه ، ومن الورث المعنوي ما يفتح عليك به من الفهم في الكتاب وفي حركات العالم كله ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلم ما بعثه اللّه تعالى إلا ليتمم مكارم الأخلاق ، فأحواله كلها مكارم أخلاق ، فهو مبين لها بالحال وهو أتم وأعدل وأمضى في الحكم من القول : .

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 22 إلى 23 ]

وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً ( 22 ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ( 23 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 384 | ابن عربي / محمود محمود الغراب