تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
الرفعة من اللّه - الذي له العلو الذاتي - حفظ على كل من أعلى اللّه منزلته علوه ، ومن علا بنفسه من الجبارين والمتكبرين قصمه اللّه وأخذه للكبرياء الذي كان عليه في نفسه ، ولهذا قال :
« وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »
، أي عاقبة العلو الذي علا به من أراد علوا في الأرض يكون للمتقين ، أي يعطيهم اللّه العلو في المنزلة في الدنيا والآخرة ، فأما في الآخرة فأمر لازم لا بد منه ، لأن وعده صدق وكلامه حق ، والدار الآخرة محل تميز المراتب وتعيين مقادير الخلق عند اللّه ومنزلتهم منه تعالى ، فلا بد من علو المتقين يوم القيامة ، وأما في الدنيا فإنه كل من تحقق صدقه في تقواه وزهده ، فإن نفوس الجبارين والمتكبرين تتوفر دواعيهم إلى تعظيمه ، لكونهم ما زاحموهم في مراتبهم ، فأنزلهم ما حصل في نفوسهم من تعظيم المتقين عن علوهم وقصدوا خدمتهم والتبرك بهم ، وانتقل ذلك العلو الذي ظهروا به إلى هذا المتقي ، وكان عاقبة العلو للمتقي والجبار لا يشعر ، ويلتذ الجبار إذا قيل فيه إنه قد تواضع ونزل إلى هذا المتقي ، فيتخيل الجبار أن المتقي هو الأسفل وأن الجبار نزل إليه ، بل علو الجبار انتقل إلى المتقي من حيث لا يشعر ، ونزل الجبار تحت علو هذا المتقي ، ولو سئل المتقي عن علوه ما وجد عنده منه شيء ، فثبت أن العلو في الإنسان إنما هو تحققه بعبوديته ، وعدم خروجه واتصافه بما ليس له بحقيقة ، فاحذر يا ولي أن تريد علوا في الأرض فإن من أراده أراد الولاية ، وقال عليه السلام : [ إنها يوم القيامة حسرة وندامة ] ، والزم الخمول وإن أعلى اللّه كلمتك فما أعلى إلا الحق ، وإن رزقك الرفعة في قلوب الخلق ، فذلك إليه عزّ وجل ، والذي يلزمك التواضع والذلة والانكسار ، فإنه إنما أنشأك من الأرض فلا تعلو عليها فإنها أمك ، ومن تكبر على أمه فقد عقّها ، وراقب اللّه فيما أعطاك ، من رفعة في الأرض ، بولاية وتقدّم تخدم من أجله ويغشى بابك ويلزم ركابك ، فلا تبرح ناظرا لعبوديتك وأصلك ، واعلم أن تلك الرفعة إنما هي للرتبة والمنصب لا لذاتك ، فالذي أوصيك به أنك لا تريد علوا في الأرض ، وإن أعطاك اللّه لا تطلب أنت من اللّه إلا أن تكون في نفسك صاحب ذلة ومسكنة وخشوع .

[ سورة القصص ( 28 ) : آية 84 ]

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 313 | ابن عربي / محمود محمود الغراب