[ « قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ »
وهو آصف بن برخيا ]
« قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ »
وهو آصف بن برخيا ، وكان يعلم الاسم الأعظم ، الذي يفعل بالخاصية ، ولولا الكتاب ما علم ذلك ، قال لسليمان عليه السلام :
« أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ »
فظهر بهذا الأمر تعظيما لقدر سليمان عليه السلام عند أهل بلقيس وسائر أصحابه وما طوي عن سليمان عليه السلام العلم بهذا الاسم ، وإنما طوي عنه الإذن في التصرف به ، تنزيها لمقامه ، فإنه رسول مصرف العين إلى من أرسل إليه ، فما ظهر آصف بالقوة على الإتيان بالعرش دون سليمان عليه السلام إلا ليعلم الحق أن شرف سليمان عظيم ، إذ كان لمن هو حسنة من حسناته هذا القدر ، فكان ذلك من آصف بن برخيا إعلام الغير ، بأن التلميذ التابع ، إذا كان أمره بهذه المثابة ، فما ظنك بالشيخ ؟ فيبقى قدر الشيخ مجهولا في غاية التعظيم ، فلو ظهر على سليمان عليه السلام هذا الفعل ، لتوهم أن هذا غايته ، وظهور هذا الفعل على يد صاحبه أتم في حقه ، إذ كان هذا التابع مصدقا به ، وقائما في خدمته بين يديه تحت أمره ونهيه ، فيزيد المطلوب رغبة في هذا الرسول ، إذا رأى بركته قد عادت على تابعيه ، فيرجو هذا الداخل أن يكون له بالدخول في أمره ما كان لهذا التابع ، والنفس مجبولة على الطمع ، وحب الرئاسة والتقدم
« قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ »
فإنه معلوم بالقدر الزماني ، أن رجوع الطرف إلى الناظر به أسرع من قيام القائم من مجلسه ، لأن حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه أسرع من قيام حركة الجسم فيما يتحرك منه ، فإن الزمان الذي يتحرك فيه البصر عين الزمان الذي يتعلق بمبصره مع بعد المسافة بين الناظر والمنظور ، فإن زمان فتح البصر زمان تعلقه بفلك الكواكب الثابتة ، وزمان رجوع طرفه إليه هو عين زمان عدم إدراكه ، والقيام من مقام الإنسان ليس كذلك ، أي ليس له هذه السرعة .