تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
فإنا ما رأينا ، فالمخاطب بهذه الآية نبيه صلّى اللّه عليه وسلم الذي أشهده وأراه ، فهو لنا إيمان وهو لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم عيان ، فإنه صاحب الكشف حيث يرى ما لا نرى
« أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
وهذا تسبيح فطري ذاتي عن تجل إلهي ، فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي ، وهي العبادة الذاتية التي أقامهم اللّه فيها
« وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ »
اعلم أيدنا اللّه وإياك أن البهائم أمم من جملة الأمم ، لها تسبيحات تخص كل جنس وصلاة مثل ما لغيرها من المخلوقات ؛ فتسبيحهم ما يعلمونه من تنزيه خالقهم ، وأما صلاتهم فلهم مع الحق مناجاة خاصة ، فكل شيء من المخلوقات له كلام يخصه يعلمه اللّه ويسمعه من فتح اللّه سمعه لإدراكه ، وجميع ما يظهر من الحيوان من الحركات والصنائع التي لا تظهر إلا من ذي عقل وفكر وروية ، وما يرى في ذلك من الأوزان تدل على أن لهم علما في أنفسهم بذلك كله ، ثم نرى منهم أمورا تدلّ على أنهم ما لهم ما للإنسان من التدبير العام ، فتعارضت عند الناظرين في أمرهم الأمور ، فانبهم أمرهم ، وربما سموا لذلك بهائم من إبهام الأمر ، وما أتي على من أتي عليه إلا من عدم الكشف ، لذلك فلا يعرفون من المخلوقات إلا قدر ما يشاهدون منهم ، فالحيوانات كلها عندنا ذوات أرواح وعقول تعقل عن اللّه كل » أي كل هؤلاء
« قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ »
- الوجه الأول - الضمير يعود على اللّه من قوله صلاته ، أي صلاة اللّه عليه بنفس وجوده ورحمته به في ذلك - الوجه الثاني - الصلاة تضاف إلى كل ما سوى اللّه من جميع المخلوقات : ملك وإنسان وحيوان ونبات ومعدن بحسب ما فرضت عليه وعيّنت له ، فأضاف اللّه الصلاة في هذه الآية إلى الكل
« تَسْبِيحَهُ »
الضمير يعود في تسبيحه على « كل » أي ما يسبح ربه به وهو صلاته له ، والتسبيح في لسان العرب الصلاة . قال عبد اللّه بن عمر وهو من العرب - وكان لا يتنفل في السفر - فقيل له في ذلك ، فقال : لو كنت مسبحا أتممت ؛ وقال تعالى :
( تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ )
- الوجه الثالث - إن اللّه ما خلق الأشياء من أجل الأشياء ، وإنما خلقها ليسبحه كل جنس من الممكنات بما يليق به من صلاة وتسبيح ، لتسري عظمته في جميع الأكوان وأجناس الممكنات وأنواعها وأشخاصها ، فالكل له تعالى ملك ، ولذلك نقول : إن اللّه تعالى خلق الأشياء له لا لنا ، وأعطى كل شيء خلقه ، وبإعادة الضمير في صلاته على اللّه وصف الحق نفسه بالصلاة ، وما وصف نفسه بالتسبيح ، فعمّ بهذه الآية