تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
على بعض ، وقد تم البدن على التفصيل ، وهو الخلق الترابي الآدمي ، فهو مسبب عن أشياء هي أمهات الجسد الآدمي وهي كثيرة ، انتقل في أطوار العالم من شكل إلى شكل حتى صار على هذه الصفة ، فالجسد الآدمي أصله شيء والصورة عرض فيه ، ثم أجمل خلق النفس الناطقة الذي هو بها إنسان في هذه الآية فقال
« ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ »
وهو طور آخر ، عرّفك بذلك أن المزاج لا أثر له في لطيفتك وإن لم يكن نصا لكن هو ظاهر ، وأبين منه قوله
( فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ )
فالظاهر أنه لو اقتضى المزاج روحا خاصا معينا ما قال
( فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ )
وأي حرف نكرة مثل حرف ( ما ) ، فإنه حرف يقع على كل شيء ، فأبان لك أن المزاج لا يطلب صورة بعينها ، ولكن بعد حصولها تحتاج إلى هذا المزاج وترجع به ، فإنه بما فيه من القوى التي لا تدبره إلا بها ، فإنه بقواه لها كالآلات لصانع النجارة أو البناء مثلا ، فبيّن لك الحق بهذه الآيات مرتبة جسدك وروحك ، لتنظر وتتفكر فتعتبر أن اللّه ما خلقك سدى وإن طال المدى ، فإن النشأة الإنسانية مكونة من حس وخيال وعقل ، تجول بكلها أو ببعضها ، فإما أن يجول الإنسان بحسه وهو الكشف ، وإما أن يجول بعقله وهو حال فكره وتفكره ، وإما أن يجول بخياله ، ثم أثبت اللّه للعالم الخلق وجعل نفسه أحسن لأوليته في ذلك ، إذ لولاه ما ظهرت أعيان هؤلاء الخالقين

[ « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »

] فقال
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
إثباتا للأعيان ليصح قوله
( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) *
وأثنى على نفسه يعلمك صورة الثناء عليه لتشكره لا لتكفره فقال
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
تقديرا وإيجادا ، فذكر أن ثمّ خالقين اللّه أحسنهم خلقا ، فإنه تعالى نسب الخلق إلى عباده فقال
( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ )
فهو تعالى أحسن الخالقين لأنه تعالى يخلق ما يخلق عن شهود ، والخالق من العباد لا يخلق إلا عن تصور ، يتصور من أعيان موجودة يريد أن يخلق مثلها أو يبدع مثلها ، وخلق الحق ليس كذلك ، فإنه يبدع أو يخلق المخلوق على ما هو ذلك المخلوق عليه في نفسه وعينه ، فما يكسوه إلا حلة الوجود بتعلق يسمى الإيجاد ، فأضاف الحق الحسن إلى الخالقين غير أن اللّه أحسن الخالقين ، والخلق من خصوص وصف الإله ، ومن الناس من يقيم من أعماله وأنفاسه نشأة ذات روح وجسد ، فبها يكون الإنسان خالقا ، ويكون الحق أحسن الخالقين ، وهذه الطبقة التي وصفها الحق بالحسن هم أهل الإحسان ، فإن الإحسان في العبادة أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فتعلم من هو الخالق على الحقيقة ، فلما كان