تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 44 إلى 46 ]

وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 44 ) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ( 45 ) أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 )

[ عماء البصر والقلب ]

« أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها »
ما جعلها عقلا إلا ليعقل عنه العبد بها ما يخاطبه بها ، فاعلم أيدك اللّه أن العلم تحصيل القلب أمرا ما على حد ما هو عليه ذلك في نفسه ، معدوما كان ذلك الأمر أو موجودا ، فالعلم هو الصفة التي توجب التحصيل من القلب ، والعالم هو القلب والمعلوم هو ذلك الأمر المحصل ، فالقلب مرآة مصقولة كلها وجه لا تصدأ أبدا ، فإن أطلق يوما عليها أنها صدئت كما قال عليه السلام إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد - الحديث - وفيه أن جلاءها ذكر اللّه وتلاوة القرآن ، فليس المراد بهذا الصدأ أنه طخاء طلع على وجه القلب ، ولكنه لما تعلق واشتغل بعلم الأسباب عن العلم باللّه كان تعلقه بغير اللّه صدأ على وجه القلب لأنه المانع من تجلي الحق إلى هذا القلب ، لأن الحضرة الإلهية متجلية على الدوام لا يتصور في حقها حجاب عنا ، فلما لم يقبلها هذا القلب من جهة الخطاب الشرعي المحمود لأنه قبل غيرها ، عبر عن قبول ذلك الغير بالصدإ والكن والقفل والعمى والران وغير ذلك ، فالقلوب أبدا لم تزل مفطورة على الجلاء مصقولة صافية ، فكل قلب تجلت فيه الحضرة الإلهية فذلك قلب المشاهد المكمل العالم ، ومن لم تتجل له من كونها من الحضرة الإلهية فذلك هو القلب الغافل عن اللّه تعالى المطرود من قرب اللّه تعالى - تحقيق - اعلم أن اللّه تعالى ابتلى الإنسان ببلاء ما ابتلى به أحدا من خلقه ، إما لأن يسعده أو يشقيه ، على حسب ما يوفقه إلى استعماله ، فكان البلاء الذي ابتلاه به أن خلق فيه قوة تسمى الفكر ، وجعل هذه القوة خادمة لقوة أخرى تسمى العقل ، وجبر العقل مع سيادته على الفكر أن يأخذ منه ما يعطيه ، ولم يجعل للفكر مجالا إلا في القوة الخيالية وجعل سبحانه القوة الخيالية محلا جامعا لما تعطيه القوة الحساسة ، وجعل له قوة يقال لها المصورة ، فلا يحصل في القوة الخيالية إلا ما أعطاه الحس ، أو أعطته القوة المصورة من المحسوسات ، وذلك