تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
في ميزان أحد ، لأنه إن قال لا إله إلا اللّه معتقدا لها فما أشرك ، وإن أشرك فما اعتقد لا إله إلا اللّه ، فلما لم يصح الجمع بينهما لم يكن لكلمة لا إله إلا اللّه ما يعاد لها في الكفة الأخرى ولا يرجحها شيء ، فلهذا لا تدخل الميزان ، وأما المشركون فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ، أي لا قدر لهم ولا يوزن لهم عمل ولا من هو من أمثالهم ممن كذب بلقاء اللّه وكفر بآياته ، فإن أعمال خير المشرك محبوطة ، فلا يكون لشرهم ما يوازنه ، وأما صاحب السجلات فإنه شخص لم يعمل خيرا قط ، إلا أنه تلفظ يوما بكلمة لا إله إلا اللّه مخلصا فتوضع له في مقابلة التسعة والتسعين سجلا من أعمال الشر ، كل سجل منها كما بين المغرب والمشرق ، وذلك لأنه ما له عمل خير غيرها ، فترجح كفتها بالجميع وتطيش السجلات فيتعجب من ذلك ، ولا يدخل الموازين إلا أعمال الجوارح شرها وخيرها ، السمع والبصر واللسان واليد والبطن والفرج والرجل ، وأما الأعمال الباطنة فلا تدخل الميزان المحسوس ، لكن يقام فيها العدل وهو الميزان الحكمي المعنوي ، فلهذا توزن الأعمال من حيث ما هي مكتوبة
« فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً » « وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ »
يعني من العمل
« أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ »
.

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 48 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) الضياء ما يدرك به وما يدرك منه .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 49 ]

الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 )
« الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ »
اعلم أيدك اللّه أن عبادة اللّه بالغيب عين عبادته بالشهادة ، فإن الإنسان وكل عابد لا يصح أن يعبد معبوده إلا عن شهود ، إما بعقل أو ببصر أو بصيرة يشهده العابد بها فيعبده ، وإلا فلا تصح له عبادة ، فما عبد إلا مشهودا لا غائبا ، فإن أعلمه بتجليه في الصور للبصر حتى يميزه عبده أيضا على الشهود البصري ، ولا يكون ذلك إلا بعد أن يراه بعين بصيرته ، فمن جمع بين البصيرة والبصر فقد كملت عبادته ظاهرا وباطنا ، ومن قال بحلوله في الصور فذلك جاهل بالأمرين جميعا ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : اعبد اللّه كأنك تراه ، فأمره بالاستحضار ، فإنه يعلم أنه لا يستحضر إلا من يقبل الحضور ،