[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 30 ]
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 )
« كانَتا رَتْقاً »
- الوجه الأول - أي غير متميزة
« فَفَتَقْناهُما »
أي ميزنا بعضها عن بعض ليميز أعيانها ففتق الأرض بما أخرج فيها من معدن ونبات وحيوان ، فكان إيجادا عند دوران الأفلاك بعد تقدير - الوجه الثاني - اعلم أن اللّه تعالى قد جعل هذه الأرض بعد ما كانت رتقا كالجسم الواحد كما كانت السماء ، ففتق رتقها وجعلها سبعة أطباق كما فعل بالسماوات ، فقوله تعالى :
« كانَتا رَتْقاً »
أي كل واحدة منهما مرتوقة ،
« فَفَتَقْناهُما »
يعني فصل بعضها من بعض حتى تميزت كل واحدة عن صاحبتها ، كما قال :
« خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ »
أي فصل كل سماء على حدة بعد ما كانت رتقا ، إذ كانت دخانا فإن الحق استوى إلى السماء وكانت واحدة ، ففتقها وسواها سبع سماوات طباقا ، فدارت بأفلاكها وفتق الأرض إلى سبع أرضين ، سماء أولى لأرض أولى ، وثانية لثانية إلى سبع ، ولما كان الأصل في وجودها الماء لهذا قال :
« وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
تنسب عندنا الحياة لكل حي بحسب حقيقة المنعوت بها ، وما في العالم إلا حي ، لا كمن لا يرى الحياة إلا في غير الجماد والنامي ، فالجماد في نظرك هو حي في نفس الأمر ، وأما الموت فهو مفارقة حي مدبّر لحي مدبّر ، فالمدبر والمدبر حي ، والمفارقة نسبة عدمية لا وجودية ، إنما هو عزل عن ولاية ، فكل شيء حي ، فإن كل شيء مسبح للّه بحمده ، وهذا الماء هو الماء الذي هو أصل في وجود كل شيء وبه حياته ، ولحياته وصف بالتسبيح ، وهو غير هذا الماء المركب البسيط المعهود ، فالماء أصل الحياة في الأشياء ، فهو سر الحياة ، حتى العرش لما خلقه اللّه ما كان إلا على الماء ، فسرت الحياة فيه منه ، ومن هذا الماء كانت حياة الجان وهم لا يشعرون ، وحياة العرش وما حوى عليه من المخلوقات ، فإن اللّه يقول :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »
فجاء بالنكرة ، ولا يسبح إلا حي ، وأما الماء العنصري فأصله من نهر الحياة الطبيعية الذي فوق الأركان ، وهو الذي ينغمس فيه جبريل كل يوم غمسة ، وينغمس فيه أهل النار إذا خرجوا منها بالشفاعة ، فهو الماء الذي قال تعالى فيه :
« وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
ثم سرت منه الحياة في الماء العنصري ، وأما في عالم الاستحالة فاعلم أن العرش الملك ، وما تم الملك وكمل إلا في عالم الاستحالة ، وهو عالم الأركان الذي أصله