تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
آدَمُ رَبَّهُ »
لما نهاه عن قرب الشجرة فأكل من ثمرتها ، فأضاف المعصية إلى ظاهر آدم ، لأن المعصية بالظاهر وقعت وهو القرب من الشجرة والأكل ، بعد أن برأ باطنه منها ، وما حفظ اللّه تعالى آدم من المعصية مما حمله في طينته من عصاة بنيه ، فآدم عليه السلام مع خلقه باليدين عصى بنفسه ولم يحفظ
« فَغَوى »
أي فخاف ، وهو قد أكل بالتأويل وظن أنه مصيب غير منتهك للحرمة في نفس الأمر ، وكان متعلق النهي القرب لا الأكل . فيقوى التأويل وغوى هنا بمعنى خاف ، قال الشاعر « 1 » : ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ؛ ولما كان آدم هو الأب الأعظم في الجسمية ، والمقرب عند اللّه وأول هذه النشأة الترابية ، ظهرت فيه المقامات كلها حتى المخالفة ، إذ كان جامعا للقبضتين : قبضة الوفاق وقبضة الخلاف ، فما تحرك من آدم لمخالفة النهي إلا النسمة المجبولة على المخالفة ، فكانت مخالفته نهي اللّه من تحرك تلك النسمة التي كان يحملها في ظهره لما عصى ، ثم خاف ، قال اللّه تعالى في حقه . 20 / 122
« ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ »
فهو مجتبى ، فآدم عليه السلام لولا خطيئته ما ظهرت سيادته في الدنيا ، فهي التي أورثته الاجتباء ، فما خرج من الجنة بخطيئته إلا لتظهر سيادته ، فكان هبوطه هبوط خلافة لا هبوط بعد
« فَتابَ عَلَيْهِ »
فكان اللّه هو التائب لا آدم ، والذي صدر من آدم ما اقتضته خاصية الكلمات التي تلقاها ، وما فيها ذكر توبته ، وإنما هو مجرد اعتراف وهو قوله
( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ )
فأنتج لهما هذا الاعتراف قوله تعالى
« فَتابَ عَلَيْهِ »
أي رجع عليه بالرحمة ، فرجع عليه بستره ، فحال بينه ذلك الستر الإلهي وبين العقوبة التي تقتضيها المخالفة ، وجعل ذلك من عناية الاجتباء ، أي لما اجتباه أعطاه الكلمات ، ورجع عليه بالصفة التي كان يعامله بها ابتداء من التقريب ، والاعتناء الذي جعله خليفة عنه في خلقه ، وكمل به وفيه وجود العالم
« وَهَدى »
- الوجه
هامش
( 1 ) أنشد الأصمعي للمرقّش :فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائماوغوى عند الجوهري بمعنى خاب ( تاج العروس ، ولسان العرب ) ولا يوجد في المعاجم غوى بمعنى خاف إلا أن تكون لغة لم تصل إلينا أو تصحيفا لخاب ، وخاف أليق بمكانة آدم عليه السلام .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 115 | ابن عربي / محمود محمود الغراب