20 / 120 فصدقه وهو الكذوب ، فتلطّف إبليس في الإغواء تلطف المستدرج في الاستدراج ، والماكر في المكر ، والخادع في الخداع ، فكان لآدم بعد المؤاخذة ما أعطته خاصية تلك الشجرة لمن أكل من ثمرها من الخلد والملك الذي لا يبلى .
20 / 121 اعلم أن الأمر الإلهي لا يخالف الإرادة ، فإنها داخلة في حدّه وحقيقته ، وإنما وقع الالتباس من تسميتهم صيغة الأمر أمرا وليست بأمر ، والصيغة مرادة بلا شك ، فأوامر الحق إذا وردت على ألسنة المبلغين فهي صيغ الأوامر لا الأوامر فتعصى ، وقد يأمر الآمر بما لا يريد وقوع المأمور به ، فما عصى أحد قط أمر اللّه ، وهو قوله إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون ؛ وبهذا علمنا أن النهي الذي خوطب به آدم عن قرب الشجرة إنما كان بصيغة لغة الملك الذي أوحى إليه به ، ولما علم إبليس أن آدم محفوظ من اللّه ، ورأى اللّه قد نهاه عن قرب الشجرة لا قرب الثمرة ، جاء بصورة الأكل لا بصورة القرب ، فإنه علم أنه لا يفعل لنهي ربه إياه عن قرب الشجرة ، فأتاه بثمرها فأكل آدم وزوجته حواء ، وصدّقا إبليس وهو الكذوب في قوله ( هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) ولما كان آدم قد نهي ولم يؤمر أمر إيجاب ، وكان حاملا للمخالف من ولده في ظهره والطائع ، فأوقع المخالفة عن حركة المخالف ، فلما رماه من صلبه ، ما بلغنا أن آدم عليه السلام عصى ربه بعد ذلك أبدا ، وأفرد بالمعصية دون أهله في قوله
« وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ »
- الوجه الأول - والنهي وقع عليهما والفعل وقع عنهما ، لأنها بعض من كلّه ، فهي جزء منه ، فكأنها ما ثمّ إلا هو ، فأهدرت في اللفظ ولم تذكر ، وذكر آدم
« فَغَوى »
ومن غوى هوى ، ألا تراه هبط ، وفي يديه سقط ، فاستدرك الغلط حين هبط ، فتلقى من ربه ما تلقاه من الكلمات فتاب ، ففاز بحسن المآب ، لأنه ما قصد انتهاك الحرمة ، ولا الخروج من النور إلى الظلمة - الوجه الثاني -
« وَعَصى