تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وكان مؤثرا فيه ، بخلاف الفاعل فإنه يفعل بالاختيار إن شاء فعل فيسمى فاعلا ، وإن شاء ترك ، وليس ذلك للمنفعل . ولهذه الحقيقة ذكر تعالى
« وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ »
فذكر المنفعل ولم يذكر ولا حار ولا بارد لما كانت الرطوبة واليبوسة عند العلماء بالطبيعة تطلب الحرارة والبرودة اللتين هما منفعلتان عنهما ، كما تطلب الصنعة الصانع ، لذلك ذكرهما دون الأصل ، وإن كان الكل في
« كِتابٍ مُبِينٍ »
فهذه الآية من فصاحة القرآن وإعجازه حيث علم أن الذي أتى به - وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم - لم يكن ممن اشتغل بالعلوم الطبيعية فيعرف هذا القدر ، فعلم قطعا أن ذلك ليس من جهته ، وأنه تنزيل من حكيم حميد ، وأن القائل بهذا عالم ، وهو اللّه تعالى . فعلم النبي صلّى اللّه عليه وسلم كل شيء بتعليم اللّه إياه وإعلامه ، لا بفكره ونظره وبحثه .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 60 إلى 61 ]

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ( 61 )
« وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ »
لما صدر منهم من النزاع ، فمن أراد أن يزول عنه حكم القهر فليصحب اللّه بلا غرض ولا تشوف ، بل ينظر كل ما وقع في العالم وفي نفسه يجعله كالمراد له ، فيلتذ به ويتلقاه بالقبول والبشر والرضى ، فلا يزال من هذه حاله مقيما في النعيم الدائم ، لا يتصف بالذلة ، ولا بأنه مقهور ، فتدركه الآلام لذلك ، وعزيز صاحب هذا المقام ، وما رأيت له ذائقا ، لأنه يجهل الطريق إليه فإن الإنسان لا يخلو نفسا واحدا عن طلب يقوم به لأمر ما .
« وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً »
وهو التوكيل أعني هذا الإرسال في حق قوم وحفظا وعصمة في حق آخرين ، فدخل تحت قوله تعالى :
« وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً »
فنكر ، فدخل حفظة الوجود وحفظة الأفعال ، ففي حفظ الوجود اجتماع الموحدين والمشركين في الحفظ الإلهي ، وذلك من باب الاعتناء بالخلق وإن جهلوا .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 84 | ابن عربي / محمود محمود الغراب