تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
يقل أوتيتم ، بل كان يقول أوتيتم الطريق إلى تحصيله ، لا هو ، ونحن نعلم أن ثمّ علما اكتسبناه من أفكارنا ومن حواسنا ، وثمّ علما لم نكتسبه بشيء من عندنا بل هبة من اللّه عزّ وجل ، أنزله في قلوبنا وعلى أسرارنا فوجدناه من غير سبب آخر ظاهر ، مثل قوله في عبده خضر
( وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً )
وليست الآية بنص في الوهب ، ولكن له وجهان : وجه يطلبه
« أُوتِيتُمْ »
ووجه يطلبه
« قَلِيلًا »
من الاستقلال ، أي ما أعطيتم من العلم إلا ما تستقلون بحمله ، وما لا تطيقونه ما أعطيناكموه فإنكم ما تستقلون به ، فيدخل في هذا العطاء علوم النظر ، فإنها علوم تستقل العقول بإدراكها . وأما إذا كان السؤال عن الماهية فيكون قوله تعالى
« قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »
أي الروح الذي هو من أمر ربي هو الذي لم يوجد عن خلق ، فإن عالم الأمر كل موجود لا يكون عند سبب كوني يتقدمه ، فقد قال البعض : إن الروح من عالم الأمر وليس من عالم الخلق اصطلاحا ، ومن هنا للتبيين ، وأرادوا بعالم الأمر كل ما صدر عن اللّه بلا واسطة إلا بمشافهة الأمر العزيز ، وعالم الخلق كل موجود صدر عن سبب متقدم من غير مشافهة الأمر ، التي هي الكلمة التي لا يتصور واسطة في حقه البتة ، وأما من دونه فلا بد من واسطة . ولما أوجد اللّه تعالى الكلمة المعبر عنها بالروح الكلي إيجاد إبداع ، أوجدها في مقام الجهل ومحل السلب ، أي أعماه عن رؤية نفسه فبقي لا يعرف من أين صدر ولا كيف صدر ، وكان الغذاء فيه ، الذي هو سبب حياته وبقائه وهو لا يعلم ، فحرك اللّه همته لطلب ما عنده وهو لا يدري أنه عنده ، فأخذ في الرحلة بهمته ، فأشهده الحق تعالى ذاته فسكن ، وعرف أن الذي طلب لم يزل به موصوفا ، وعلم ما أودع اللّه فيه من الأسرار والحكم ، وتحقق عنده حدوثه وعرف ذاته معرفة إحاطية ، فكانت تلك المعرفة له غذاء معينا يتقوت به وتدوم حياته إلى غير نهاية ، فقال له عند ذلك التجلي الأقدس : ما اسمي عندك ؟ فقال : أنت ربي ، فلم يعرفه إلا في حضرة الربوبية ، وتفرد القديم بالألوهية فإنه لا يعرفه إلا هو ، فقال له سبحانه : أنت مربوبي وأنا ربك ، أعطيتك أسمائي وصفاتي ، فمن رآك رآني ، ومن أطاعك أطاعني ، ومن علمك علمني ، ومن جهلك جهلني ، فغاية من دونك أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك ، وغاية معرفتهم بك العلم بوجودك لا بكيفيتك ، كذلك أنت معي لا تتعدى معرفة نفسك ولا ترى غيرك ، ولا يحصل لك العلم بي إلا من حيث الوجود ، ولو أحطت علما بي لكنت أنت أنا ، ولكنت
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 572 | ابن عربي / محمود محمود الغراب