إلا وهو متمكن قادر على الثناء على موجده ، وما في العالم جزء إلا وهو يعلم موجده من حيث ذاته لا من حيث ذات موجده ، وما في الوجود جزء إلا وهو متكلم يسبح بحمد خالقه ، وأعلمنا سبحانه أن من أسمائه تعالى الكريم ، ومن نزوله إلينا في كرمه يقول :
يا عبدي إن شردت عني دعوتك إليّ ، يا عبدي إن عصيتني سترت عليك ، سترتك عن أعين من وليته إقامة حدودي فيك وفي أمثالك فلم أؤاخذك ، وتحببت إليك بالنعم ، وجررت على خطيئتك ذيل الكرم ، فمحا آثارها كرمي ، ودعوتك إليّ بالقدوم على نعمي فإذا رجعت إليّ قبلتك على ما كان منك ، ومن يفعل معك ذلك مع غناه عنك وفقرك إليه غيري ؟
فهذا من معاملة الحق لنا على شاكلته من اسمه الكريم .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 85 ]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ( 85 )
[ « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ . . . »
الآية ]
الروح روحان : روح الأمر وهو الذي قال فيه تعالى :
( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا )
وقال :
( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ )
وقال :
( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ )
فذكر الإنذار ، وهكذا قوله
( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ )
وكذلك
( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا )
فما جاء إلا بالإعلام وفيه ضرب من الزجر ، حيث ساق الإعلام بلفظة الإنذار ، فهو إعلام بزجر ، فإنه البشير النذير ، والبشارة لا تكون إلا عن إعلام ، فغلب في الإنزال الروحاني باب الزجر والخوف ، وأما الروح الثاني فهو الروح المضاف إلى نفس الحق تعالى بقوله :
( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) *
بياء الإضافة تنبيه على مقام التشريف ، فكان السؤال عن الروح الأول ، روح الأمر ، فإنه قال :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ »
أي من أين ظهر ؟ فقيل له
« قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »
فما كان سؤالا عن الماهية كما زعم بعضهم ، فإنهم ما قالوا ما الروح ؟ وإن كان السؤال بهذه الصيغة محتملا ، ولكن قوّى الوجه الذي ذهبنا إليه في السؤال ما جاء في الجواب من قول
« مِنْ أَمْرِ رَبِّي »
ولم يقل هو كذا ، فعلوم الغيب تنزل بها الأرواح على قلوب العباد ، فإن الروح هو الملقي إلى القلب علم الغيب ، قال تعالى :
( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ )
الآية
« وَما أُوتِيتُمْ »
أي أعطيتم
« مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
فجعله هبة وهو علم الوهب لا علم الكسب ، فإنه لو أراد الكسب لم