تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
وَمَنْ فِيهِنَّ )
وما ثم إلا هؤلاء ، ولما كان الأمر بالثناء على اللّه على ما قررناه لم يتمكن لنا أن نستنبط له ثناء ، فإن كان التسبيح ثناء ، فقد قيد ثناء كل موجود في العالم بقوله تعالى « بحمده » فقيد تسبيح كل شيء بحمده المضاف إليه ، أي الثناء الذي أثنى به على نفسه ، وهو الذي أنزله من عنده ، في كتبه وعلى ألسنة رسله ، على حد ما يعلمه هو لا على حد ما نفهمه ، فإنه تعالى نبّه بقوله
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »
إلا هذا الإنسان فإن بعضه يسبحه بغير حمده ، فنحن نكون في الثناء عليه بما أثنى به على نفسه حاكين تالين ، لأن الثناء على المثنى عليه مجهول الذات ، لا يقبل الحدود والرسوم ، ولا يدخل تحت الكيفية ، ولا يعرف كما هو عليه في نفسه ، وهو الغني عن العالمين ، فلا تدل على المعرفة به الدلالات ، وإنما تدل على استنادنا إليه من حيث لا يشبهنا أو لا يقبل وصفنا ، وما من اسم إلهي إلا ونتصف به ، فما تلك هي المعرفة المقصودة التي يعلم بها نفسه ، فشرع التسبيح وفطر عليه كل شيء ، وهو نفي عن كل وصف لا إثبات ، فالتسبيح تنزيه ونفي لا إثبات ، والثناء على اللّه بالتسبيح لا تكل به الألسنة ، وهو تسبيح كل ما سوانا ، أي الأنفس الناطقة ، فإنا لا نفقه تسبيحهم إلا إذا أعلمنا به ، فالمحامد لا تقف عند حد ، والمسبّح لا يسبحه إلا بحمده ، بخلاف الثناء بالأسماء ، فإن الألسنة ( أي ألسنة الأنفس الناطقة ) تكل وتعيا وتقف فيها ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم خاتما عند الإعياء والحصر [ لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ] ، وتتبعنا الكتاب والسنّة في التسبيح إذا سبح به المسبح - أعني بلفظه الخاص به الدال عليه - فوجدناه أنه لا بد أن يقيد باسم من الأسماء الإلهية الظاهرة أو المضمرة والمضافة والمطلقة ، فطلبنا هذه الأسماء فوجدناها تدور على اللّه ، والرب المضاف ، والاسم الناقص ، والاسم المضمر كالهاء ، والملك والعلي ، فاللّه يقول
( فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ )
والرب قوله
( سُبْحانَ رَبِّكَ )
والاسم الناقص
( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ )
والمضمر قوله ( سبحانه وتعالى ) والملك مثل الذي ورد في السنة ( سبحان الملك القدوس ) والعلي كما ورد في السنة ( سبحان العلي الأعلى ) وقد ورد من غير تقييد في السنة مثل قول ( سبوح ) وهذا ذكر المذكور ، ونتيجته أعظم النتائج ، لأنه كناية عن عين المسبّح بالتسبيح ، فاسمه هنا عينه ، وهذا أكمل تسبيح العارفين ، لأنه غاب عن الاسم فيه بالمسمّى ، ولما كان التسبيح بحمده قربة به ، فقال في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ سبحان اللّه والحمد للّه أنهما يملآن أو يملآ ما بين
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 553 | ابن عربي / محمود محمود الغراب