تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١

[ دور العقل في الإنس والجن ]

وجوارحه ، فكل شيء في العالم يقال فيه عند أهل النظر وفي العامة إنه ليس بحي ولا حيوان ، فإن اللّه عندنا قد فطره لمّا خلقه على المعرفة به والعلم ، وهو حي ناطق بتسبيح ربه ، يدركه المؤمن بإيمانه ويدركه أهل الكشف عينا ، وأما الحيوان ففطره اللّه على العلم به تعالى ونطّقه بتسبيحه ، وجعل له شهوة لم تكن لغيره من المخلوقات ، وفطر الملائكة على المعرفة والإرادة لا الشهوة ، وفطر الجن والإنس على المعرفة والشهوة - وهو تعلق خاص في الإرادة - لأن الشهوة إرادة طبيعية ، فليس للإنس والجن إرادة إلهية كما للملائكة بل إرادة طبيعية تسمى شهوة ، وفطرهما على العقل لا لاكتساب العلم ، ولكن جعله اللّه آلة للإنس والجن ليردعوا به الشهوة في هذه الدار خاصة لا في الدار الآخرة ، فإذا استفاد الإنسان أو الجان علما من غير كشف فإن ذلك مما جعل اللّه فيه من قوة الفكر ، فكل ما أعطاه الفكر للنفس الناطقة وكان علما في نفس الأمر فهو من الفكر بالموافقة ، فالعلوم التي في الإنسان إنما هي بالفطرة والضرورة والإلهام ، والكشف الذي يكون له إنما يكشف له عن العلم الذي فطره اللّه عليه ، فيرى معلومه وأما بالفكر فمحال الوصول به إلى العلم ، وأما الإلهام والإعلام الإلهي فتتلقاه النفس الناطقة من ربها كشفا وذوقا من الوجه الخاص الذي لها ولكل موجود سوى اللّه ، فالفكر الصحيح لا يزيد على الإمكان وما يعطي إلا هو ، ومن علم البهائم باللّه ولما خلقت له ، ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ إن بقرة في زمن بني إسرائيل حمل عليها صاحبها ، فقالت : ما خلقت لهذا ، وإنما خلقت للحرث ، فقال الصحابة : أبقرة تكلم ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر ] ومر بعض أهل اللّه على رجل راكب على حمار وهو يضرب رأس الحمار حتى يسرع في المشي ، فقال له الرجل : لم تضرب على رأس الحمار ؟ فقال له الحمار : دعه فإنه على رأسه يضرب . فهذا حمار قد علم ما تؤول إليه الأمور بالفطرة ، وكان ابن عطاء راكبا على جمل فغاصت رجل الجمل ، فقال ابن عطاء اللّه : جل اللّه ، فقال الجمل : جل اللّه يزيد على إجلالك . فكان الجمل أعلم باللّه من ابن عطاء ، فاستحى ابن عطاء ، فهذه البهائم تعرفك وتعرف ما يؤول إليه أمرك ، وتعرف ما خلقت له ، وأنت جهلت هذا كله مع قول اللّه تعالى لك
( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )
فانظر يا محجوب أين مرتبتك من البهائم ؟ فكم بيّن اللّه لنا ما هي المخلوقات عليه من العلم باللّه والطاعة له والقيام بحقه ولا نؤمن ولا نسمع ، ورجحنا حسّنا على الإيمان بما عرّفنا به