تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
الموجودات ، لا بل نطق الممكنات قبل وجودها ، فإنها حية ناطقة درّاكة بحياة ثبوتية ونطق ثبوتي ، إذ كانت في أنفسها أشياء ثبوتية ، فلما قبلت الوجود قبلته بجميع نعوتها وصفاتها - وليس نعتها سوى عينها - فهي في حال شيئية وجودية حية بحياة وجودية ناطقة بنطق وجوديّ درّاكة بإدراك وجودي ، فلو لا أن اللّه أسرى بسر الحياة في الموجودات ما كانت ناطقة ، ولولا سريان العلم فيها ما كانت ناطقة بالثناء على اللّه موجدها ، ولهذا قال
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »
فأتى بلفظ النكرة وما خص شيئا ثابتا من شيء موجود ، لأنها قبلت شيئية الوجود على الحال التي كانت عليها في شيئية الثبوت ، إلا أن اللّه أخذ بأبصار بعض عباده عن إدراك هذه الحياة السارية والنطق والإدراك الساري في جميع الموجودات ، كما أخذ اللّه ببصائر أهل العقول والأفكار عن إدراك ما ذكرناه في جميع الموجودات وفي جميع الممكنات ، وأهل الكشف والإيمان على علم مما هو الأمر عليه في هذه الأعيان في حال عدمها ووجودها ، فمن ظهرت حياته سمي حيا ومن بطنت حياته فلم تظهر لكل عين سمي نباتا وجمادا ، فانقسم عند المحجوبين الأمر وعند أهل الكشف والإيمان لم ينقسم ، فأما أصحاب الكشف والشهود أهل الاختصاص فقد أعطاهم الشهود ، وما أعطى المحجوبين شهودهم ، فيقول أهل الشهود : سمعنا ورأينا . ويقول المحجوبون : ما سمعنا ولا رأينا . ويقول أهل الإيمان : آمنا وصدقنا ، قال تعالى :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »
وشيء نكرة وقال
( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ )
فذكر الجماد والنبات والحيوان الذين وقع فيهم الخلاف بين المحجوبين من أهل العقول والأفكار وبين أهل الشهود والإيمان ، وغير ذلك من الآيات القرآنية ، وقد صح عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : [ يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب ويابس ] وقال في أحد : [ هذا جبل يحبنا ونحبه ] وقال : [ إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث ] ثم أنه قد صح أن الحصى سبح في كفه ، وصح حنين الجذع إليه ، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة ، فكل شيء حي مسبح بحمد اللّه ولا يسبح إلا من يعقل من يسبحه ، ويثني عليه بما يستحقه ، فاللّه تعالى يرزقنا الإيمان إذا لم نكن من أهل العيان والكشف والشهود لهذه الأمور ، التي أعمى اللّه عنها أهل العقول الذين تعبدتهم أفكارهم وغير المؤمنين الذين طمس اللّه على قلوبهم ، فمن علم أن كل شيء ناطق ناظر إلى ربه لزمه الحياء من كل شيء ، حتى من نفسه