تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
قبوله للحكم الإلهي بحسب ذلك ، فإما مخالف وإما موافق ، ومن كان هذا حاله كيف يتعلق به ذم ذاتي ؟ والأعراض لا ثبات لها ، فالجود الإلهي مطلق والمنع عدم القبول ، فمن المفيض المعطي وجود جود صرف خالص محض ، وما ثم إلا عطاء في عين منع ومنع في عين عطاء ، فحضرة المنع تعطي المنع بعطاء العين ، فالمنع تبع ، فإن المحل إذا كان في اللون الأبيض فقد أعطاه البياض ، وعين إعطاء البياض منع ما يضادّه من الألوان ، لكن ليس متعلق الإرادة إلا إيجاد عين البياض فامتنع ضده بحكم التبع ، وهكذا كل ضد في العين ، فاللّه يعطي على الدوام والمحال تقبل على قدر حقائق استعداداتها ، فترد الآية مثلا من كتاب اللّه واحدة العين على الأسماع ، فسامع يفهم منها أمرا واحدا ، وسامع آخر لا يفهم منها ذلك الأمر ويفهم منها أمرا آخر ، وآخر يفهم منها أمورا كثيرة ، ولهذا يستشهد كل واحد من الناظرين فيها بها لاختلاف استعداد الأفهام ، فإذا فهمت هذا علمت أن عطاء اللّه ليس بممنوع ، إلا أنك تحب أن يعطيك ما لا يقبله استعدادك ، وتنسب المنع إليه فيما طلبته منه ، ولم تجعل بالك إلى الاستعداد الذي هو على ترتيب الحكمة الإلهية في العالم وما تعطيه حقائق الأشياء ، والكل من عند اللّه ، فمنعه عطاء وعطاؤه منع ، ولكن بقي لك أن تعلم لكذا ومن كذا ، وفي هذه الآية إشارة إلى عدم سرمدة العذاب على أهل النار ، فعطاؤه تعالى عين الرحمة التي سبقت ، فوسعت كل شيء من مكروه وغيره وغضب وغيره ، فما في العالم عين قائمة ولا حال إلا ورحمة اللّه تشمله وتحيط به ، وهي محل له ولا ظهور له إلا فيها ، فبالرحمن استوى على العرش ، وما انقسمت الكلمة إلا من دون العرش من الكرسي فما تحته ، فإنه موضع القدمين وليس سوى انقسام الكلمة ، فظهر الأمر والخلق ، والنهي والأمر ، والطاعة والمعصية ، والجنة والنار ، كل ذلك عن أصل واحد وهي الرحمة التي هي صفة الرحمن .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 21 ]

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) إنما ظهر الفضل في العالم ليعلم أن الحق له عناية ببعض عباده وله خذلان في بعض عباده .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 22 إلى 23 ]

لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 )