تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
خصصت به ، فقلت : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين . أراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولهذا قيل لأبي بكر رضي اللّه عنه ليلة أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : إنه رأى ربه ، قال : صدق وكنت معه متمسكا بأذياله ، مشاركه في مقاله ، قيل : كيف ؟ قال : في قوله : السلام علينا . فأجابه الملائكة : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسوله قال : ثم نوديت ادن يا محمد ، فدنوت ، ثم وقفت ، وهو معنى قوله عزّ وجل
( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى )
وقيل : دنا محمد في السؤال فتدلى فتقدم للرب عزّ وجل ، وقيل : دنا بالشفاعة وتقرب إلى الرب بالإجابة ، وقيل : دنا بالخدمة وتقرب للرب بالرحمة . ثم دنا فتدلى معناه ، دنا محمد من ربه فتدلى عليه الوحي من ربه ، دنا لطافة فتدلى عليه رأفة ورحمة . لا يوصف بقطع مفازة ولا مسافة ، قد ذهب الأين من البين ، وتلاشى الكيف واضمحل الأين
( فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ )
فلو اقتصر على
( قابَ قَوْسَيْنِ )
لاحتمل أن يكون للرب مكان ، وإنما قوله
( أَوْ أَدْنى )
لنفي المكان . وكان معه حيث لامكان ولا زمان ، ولا أوان ولا أكوان ، فنودي : يا محمد تقدم ، فقال : يا رب إذا انتفى الأين فأين أضع القدم ؟ قال ضع القدم على القدم « 1 » حتى يعلم الكل أني منزه عن الزمان والمكان والأكوان ، وعن الليل وعن النهار ، وعن الحدود والأقطار ، وعن الحد والمقدار ، يا محمد انظر ، فنظر فرأى نورا ساطعا ، فقال : ما هذا النور ؟ قيل : ليس هذا نورا ، بل هو جنات الفردوس ، لما ارتقيت صارت في مقابلة قدميك ، وما تحت قدميك فداء لقدميك ، يا محمد مبدأ قدمك منقطع أوهام الخلائق ، يا محمد ما دمت في سير الأين جبريل دليلك والبراق مركبك ، فإذا ذهب المكان وغبت عن الأكوان ، وانتفى الأين وارتفع البين من البين ، ولم يبق إلا قاب قوسين ، فأنا الآن دليلك يا محمد ، أفتح لك الباب ، وأرفع لك الحجاب ، وأسمعك طيب الخطاب ، في عالم الغيب وحدتني تحقيقا وإيمانا ، فوحدني الآن في عالم الشهود مشاهدة وعيانا ، فقال : أعوذ بعفوك من عقوبتك ، فقيل : هذا لعصاة أمتك ، ليس هذا حقيقة مدّعي وحّدني ، فقال : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، فقال : يا محمد ، إذا كلّ لسانك عن العبارة فلأكسونه لسان الصدق
( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى )
فإذا ضلّ عيانك عن الإشارة فلأجعلن عليك خلعة الهداية
( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى )
ثم لأعيرنك نورا تنظر به جمالي ،
هامش
( 1 ) ضع القدم على القدم : أي ضع قدمك في حضرة القدم حيث لامكان ولا زمان .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 528 | ابن عربي / محمود محمود الغراب