تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى )
وتارة يشهدك جمال صمدانيته
( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى )
وتارة يطلعك على سرائر ملكوتيته
( فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى )
وتارة يدنيك من حضرة قربه
( فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى )
يا محمد هذا أوان الظمآن إليه واللهفان عليه ، والمتحير فيه لا أدري من أي جهة آتية ، جعلني أعظم خلقه فكنت أعظمهم وأشدهم خوفا منه ، يا محمد خلقني يوم خلقني فكنت أرعد من هيبة جلاله ، فكتب على قائمتي ( لا إله إلا اللّه ) فازددت لهيبة اسمه ارتعادا وارتعاشا ، فلما كتب عليّ ( محمد رسول اللّه ) سكن لذلك قلقي وهدأ روعي ، فكان اسمك أمانا لقلبي وطمأنينة لسري ورقية لقلقي ، فهذه بركة وضع اسمك عليّ ، فكيف إذا وقع جميل نظرك إليّ ؟ يا محمد أنت المرسل رحمة للعالمين ولا بد لي من نصيب في هذه الليلة ، ونصيبي من ذلك أن تشهد لي بالبراءة من النار مما نسبه إليّ أهل الزور وتقوّله عليّ أهل الغرور ، فإنه أخطأ فيّ قوم فضلّوا وظنوا أني أسع من لا حد له ، وأحمل من لا هيئة له ، وأحيط بمن لا كيفية له ، يا محمد من لا حد لذاته ولا عد لصفاته ، فكيف يكون مفتقرا إليّ أو محمولا عليّ ؟ فإذا كان الرحمن اسمه ، والاستواء صفته ونعته ، وصفته ونعته متصل بذاته ، فكيف يتصل بي أو ينفصل عني ، ولا أنا منه ولا هو مني ؟ يا محمد وعزته لست بالقرب منه وصلا ولا بالبعد عنه فصلا ، ولا بالمطيق له حملا ولا بالجامع له شملا ، ولا بالواجد له مثلا ، بل أوجدني من رحمته منة وفضلا ، ولو محقني لكان فضلا منه وعدلا ، يا محمد أنا محمول قدرته ومعمول حكمته ، فكيف يصح أن يكون الحامل محمولا ؟
( لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
فأجابه لسان حاله صلّى اللّه عليه وسلم : أيها العرش إليك عني فأنا مشغول عنك فلا تكدر عليّ صفوتي ولا تشوش علي خلوتي ، فما في الوقت سعة لعتابك ولا محل لخطابك ، فما أعاره صلّى اللّه عليه وسلم طرفا ولا قرأ من مسطور ما أوحى إليه حرفا
( ما زاغَ الْبَصَرُ )
ثم قدم المركب السادس وهو التأييد ، فنودي من فوقه ولم ير : حافظك قدامك ، ها أنت وربك . قال : فبقيت متحيرا لا أعرف ما أقول ولا أدري ما أفعل ، إذ وقعت على شفتي قطرة أحلى من العسل ، وأبرد من الثلج ، وألين من الزبد ، وأطيب ريحا من المسك ، فصرت بذلك أعلم من جميع الأنبياء والرسل ، فجرى على لساني : التحيات المباركات للّه الصلوات الطيبات للّه . فأجبت : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته . فأشركت إخواني الأنبياء فيما