[ سبب تكبر الثقلين دون سائر الموجودات ]
اعلم أنه ما تكبر أحد من خلق اللّه على أمر اللّه غير الثقلين ، ولا عصى اللّه أحد من خلق اللّه سوى الثقلين ، واعلم أن السبب الموجب لتكبر الثقلين دون سائر الموجودات ، أن سائر الموجودات توجه على إيجادهم من الأسماء الإلهية أسماء الجبروت والكبرياء والعظمة والقهر والعزة ، فخرجوا أذلاء تحت هذا القهر الإلهي ، وتعرف إليهم حين أوجدهم بهذه الأسماء ، فلم يتمكن لمن خلق بهذه المثابة أن يرفع رأسه ولا أن يجد في نفسه طعما للكبرياء على أحد من خلق اللّه ، فكيف على من خلقه ؟ وقد أشهده أنه في قبضته وتحت قهره ، وشهدوا كشفا نواصيهم ونواصي كل دابة بيده ، فمن كان حاله في شهوده نظره إلى ربه كيف يتصور منه عزّ وكبرياء على خالقه مع هذا الكشف ؟ وأما الثقلان فخلقهم بأسماء اللطف والحنان والرأفة والرحمة والتنزل الإلهي ، فعند ما خرجوا لم يروا عظمة ولا عزا ولا كبرياء ، ورأوا نفوسهم مستندة في وجودها إلى رحمة وعطف وتنزل ، ولم يبد اللّه لهم من جلاله ولا كبريائه ولا عظمته في خروجهم إلى الدنيا شيئا يشغلهم عن نفوسهم ، فلو أشهدهم أن نواصيهم بيد اللّه شهادة عين ، أو إيمان كشهادة عين - كشهادة الأخذ من الظهور - ما عصوا اللّه طرفة عين ، وكانوا مثل سائر المخلوقات يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فلما ظهروا عن هذه الأسماء الرحمانية ، قالوا : يا ربنا لم خلقتنا ؟ قال :
( لتعبدون ) أي لتكونوا أذلاء بين يدي ، فلم يروا صفة قهر ولا جناب عزة تذلهم ، بل نظروا إلى الأسماء التي وجدوا عنها ، فما رأوا اسما إلهيا منها يقتضي أخذهم وعقوبتهم إن عصوا أمره ونهيه وتكبروا على أمره ، فلم يطيعوه وعصوه .