فانصدع بأمر اللّه ، لأنه ما قال له اصدع إلا ولا بد أن يكون قابلا لنفوذ أمر اللّه فيه حتى يسمى مصدوعا ، فلو كان لا يقبل النفوذ لكان هذا الأمر عبثا ، ألا ترى إلى قوله تعالى
« وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ »
فإنه لا ينفذ في المشرك ، إذ لو نفذ لوحّد ، فقال له :
وأعرض ، لأنهم ليسوا بمحل ، فيأمر الرسول المشرك من غير صدع ، والذي علم منه أنه يجيب ويقبل الأمر ولو كان على كره هو الذي يصدع بالأمر .
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 95 إلى 96 ]
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 )
وهم الذين قالوا
( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى )
وقالوا
( أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ )
أقسم سبحانه باسمه لنبيه وأضافه إليه إضافة الحضور والمشاهدة ، تفريجا لغمه وطردا لهمه ، وثلجا لفؤاده ، وشرحا لما ناله من الضيق والحرج مما سمع في سيده ومرسله وحبيبه من رد أمره وخطابه وتكذيبه ، وهذا هو المقام العالي الذي لا أعلى منه ولا أسنى ، ويقع فيه التفاضل بين الرسل وبين الأنبياء وبين الأولياء ، ولما كان عند النبي صلّى اللّه عليه وسلم سؤال الحق عباده عن أعمالهم بالتقرير والإنكار والتوبيخ والتقريع من المشقات الكبيرة والآلام العظام ، أقسم له سبحانه بنفسه ليشتفي من أعدائه في ذلك الموطن ، فقدّم له إخباره هذا ، وأقسم عليه تأكيدا ، لينقص عنه من ذلك الضيق الذي يجده بعض الشيء .
[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 97 ]
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 )
يعني في حق اللّه وتكذيبه ، فهو لذلك يضيق صدره ، فلما علم أن نبيه صلّى اللّه عليه وسلم في المقام الذي أوصله إليه سبحانه بعنايته التي تقتضي له أن يعامل الوقت كما ينبغي بما ينبغي لما ينبغي ، أمره بالتسبيح الرباني ليشغله به عن ضيقه وألمه وجرحه ، وزواله بالكلية محال من أجل الموطن ، ولهذا قال له في هذا الموطن في آية أخرى
( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا )
فأمره