تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
المختزن ، والعالم خزانة مخزون ، وانتقال مختزن من خزانة إلى خزانة فما أنزل منه شيء إلى غير خزانة ، فكله مخزون عنده ، فهو خزانته على الحقيقة التي لا يخرج شيء عنها ، وما عدا الحق فإن المختزن يخرج عنها إلى خزانة أخرى ، فالافتقار للخزائن من الخزائن إلى الخزائن ، والكل بيد اللّه وعنده ، فهو الصمد الذي يلجأ إليه في الأمور ويعول عليه ، ومن هنا يتعلق المتوكلون في حال توكلهم على ما توكلوا عليه ، فمنهم المتوكل على اللّه ، ومنهم المتوكل على الأسباب ، غير أن الأسباب قد تخون من اعتمد عليها ولجأ إليها في أوقات ، والحق تعالى لا يسلم من توكل عليه وفوض أمره إليه . - الوجه الثالث - في هذه الخزائن : هي الخزائن الموجودة في الفلك الأطلس فلك البروج ، فإن لكل ملك من الأملاك الاثني عشر في كل برج ملكه إياه ثلاثين خزانة ، تحتوي كل خزانة منها على علوم شتى يهبون منها لمن ينزل بهم على قدر ما تعطيه رتبة هذا النازل
( وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ )
فله موازين ، فما يتميز عنده إلا ما هو موجود له ، ولا يجري القدر إلا في عين مميزة عن غيرها ، وليس هذا صفة المعدوم من كل وجه ، فدل ذلك كله على وجود الأعيان للّه تعالى في حال اتصافها بالعدم لذاتها ، وهذا هو الوجود الأصلي لا الإضافي والعدم الإضافي ، كما يدل قوله تعالى
( وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ )
على أن ترتيب الإيجاد يؤذن بالتوقيت على مقتضى الحكمة من اسمه الحكيم ، فينزل الأرزاق بقدر معلوم في الدنيا ، فإذا كان في الآخرة عاد الحكم فيما تحوي عليه هذه الخزائن التي عند اللّه إلى العبد العارف الذي كمل اللّه سعادته ، فيدخل فيها متحكما فيخرج منها ما يشاء بغير حساب ، ولا قدر معلوم ، بل بحكم ما يختاره في الوقت ، فإن المسعود في الآخرة يعطى التكوين ، ويكشف له عن نفسه أنه عين الخزانة التي عند اللّه ، فإنه عند اللّه ، فكل ما خطر له تكوينه كونه ، فلا يزال في الآخرة خلاقا دائما ، فارتفع التقدير فهو يتبوأ من الجنة حيث يشاء .

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 22 إلى 26 ]

وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 ) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ( 24 ) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 25 ) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 )