تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
الملك المسمى بالرعد مخلوق من الهواء ، كما خلقنا نحن من الماء ، وذلك الصوت المسمى عندنا بالرعد تسبيح ذلك الملك ، وفي ذلك الوقت يوجده اللّه ، فعينه نفس صوته ، ويذهب كما يذهب البرق وذوات الأذناب
« وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ »
المحال الشدة والقوة .

[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 14 إلى 15 ]

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 14 ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 15 )

[ سجود الظلال ]

السجود من كل ساجد مشاهدة أصله الذي غاب عنه حين كان فرعا عنه ، فلما اشتغل بفرعيته عن أصليته قيل له : اطلب ما غاب عنك ، وهو أصلك الذي عنه صدرت ، فسجد الجسم إلى التربة التي هي أصله ، وسجد الروح إلى الروح الكل ، وسجد السر إلى ربه الذي به نال المرتبة ، والأصول كلها غيب ، ألا تراها قد ظهرت في الشجر ، أصولها غيب ، كذلك الحق أصل وجود الأشياء ، وهو غيب لها ، والسجود تحية الملوك لما كان السوقة دون الملك ، فالملك له العلو والعظمة ، فإذا دخل عليه من دونه سجد له ، أي منزلتنا منك منزلة السفل من العلو ، فإنهم نظروا إليه من حيث مكانته ورتبته ، ومن سجد فقد تطأطأ ، والتطأطؤ لا يكون إلا عن رفعة ، والرفعة في حق كل ما سوى اللّه خروج عن أصله ، فقيل له : اسجد ، أي تطأطأ عن رفعتك المتوهمة ، واخضع من شموخك ، بأن تنظر إلى أصلك فتعرف حقيقتك ، فإنك ما تعاليت حتى غاب عنك أصلك ، ومن عرف أصله عرف عينه أي نفسه ، ومن عرف نفسه عرف ربه ، ومن عرف نفسه لم يرفع رأسه ، فالسجود قربة تعريف وتنزيه بما يستحقه الإله من العلو والرفعة عن صفات المحدثات ، فأخبر تعالى بقوله
« وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ »
وهم الأعلون ، قال صلّى اللّه عليه وسلم [ أطت السماء وحق لها أن تئطّ ، ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك ساجد للّه ]
« وَالْأَرْضِ »
أي ومن في الأرض ،
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 413 | ابن عربي / محمود محمود الغراب