تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 107 إلى 108 ]

أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 107 ) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 )

[ الدعوة إلى اللّه على بصيرة ]

قال عليه السلام عن ربه
« أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ »
ولم يقل أدعو إلى نفسي ، وإلى حرف موضوع للغاية ، فهو النبي الأمي الذي يدعو على بصيرة مع أميته ، وبهذا يزيد العالم الإلهي على غيره ، والأميون الذين يدعون معه إلى اللّه على بصيرة ، فهم التابعون له في الحكم ، إذ كان رأس الجماعة ، فالبصيرة هي الفتح الإلهي والعلم اللدني ، والمجتهد وصاحب الفكر لا يكون أبدا على بصيرة فيما يحكم به ، فأما المجتهد فقد يحكم اليوم في نازلة شرعية بحكم فإذا كان في غد لاح له أمر آخر أبان له خطأ ما حكم به بالأمس في النازلة ، فرجع عنه وحكم اليوم بما ظهر له ، ويمضي الشرع حكمه في الأول والآخر ، ويحرم عليه الخروج عما أعطاه دليله في اجتهاده في ذلك الوقت ، فلو كان على بصيرة لما حكم بالخطإ في النظر الأول ، فالخطأ لا يكون مع البصيرة ، وكذلك صاحب العقل ، يزن المتكلم بميزان عقله ما هو خارج عن العقل لكونه وراء طوره ، وهو النسب الإلهية ، لم يقبله ميزانه ويرمي به ، وكفر به وتخيل أنه ما ثمّ حق إلا ما دخل ميزانه ، والمجتهد الفقيه وزن حكم الشرع بميزان نظره كالشافعي المذهب مثلا ، أراد أن يزن بميزانه تحيل النبيذ الذي قبله ميزان أبي حنيفة فرمى به ميزان الشافعي فحرمه ، وقال أخطأ أبو حنيفة ، ولم يكن ينبغي للشافعي المذهب مثلا أن يقول مثل هذا دون تقييد ، وقد علم أن الشرع قد تعبد كل مجتهد بما أداه إليه اجتهاده ، وحرم عليه العدول عن دليله ، فما وفّى الصنعة حقها ، وأخطأ الميزان العام الذي يشمل حكم الشريعة على الإطلاق ، فالبصيرة في الحكم مثل الضروريات للعقول عند من يدعو إلى اللّه على بصيرة ، فما يدعو إلى اللّه على بصيرة إلا من كان على بينة من ربه
« أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي »
من اتبعه صلّى اللّه عليه وسلم هم ورثة الأنبياء لاشتراكهم في الخبر ، فهو يدعو بمثل دعوة النبي عليه السلام عباد اللّه إلى توحيد اللّه والعمل بطاعته ، بشرعه المنزل المنطوق به حاليا ، لا يزيد على دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعلى ما جاء به من الإخبار بالأمور
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 399 | ابن عربي / محمود محمود الغراب