تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
المغيبة ، إلا إن أطلعه اللّه على شيء من الغيب مما علّمه اللّه ، فله أن يدعو به مما لا يكون مزيلا لما قرره الشرع بالتواتر عندنا ، أي على طريق يفيد العلم ، وذلك أن الوحي كله موجود في رجال اللّه من الأولياء ، والذي اختص به النبي من هذا دون الولي الوحي بالتشريع ، فلا يشرع إلا النبي ، ولا يشرع إلا رسول خاصة ، فيحلل ويحرم ويبيح ويأتي بجميع ضروب الوحي ، والأولياء ليس لهم من هذا الأمر إلا الإخبار بصحة ما جاء به هذا الرسول وتعيينه ، حتى يكون هذا التابع على بصيرة فيما تعبده به ربه على لسان هذا الرسول ، إذا كان هذا الولي لم يدرك زمانه حتى يسمع منه كما سمع أصحابه ، فصار هذا الولي بهذا النوع من الخطاب بمنزلة الصاحب الذي سمع من لفظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما شرع قال تعالى
( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ )
وقال تعالى
( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ )
فما جاء إلا بالإعلام ، فما أغلق باب التنزل بالعلم بالشريعة على قلوب أوليائه ، وأبقى لهم التنزل الروحاني بالعلم بها ليكونوا على بصيرة في دعائهم إلى اللّه بها ، كما كان من اتبعوه وهو الرسول ، فهو أخذ لا يتطرق إليه تهمة لاحتمال التأويل وما يتطرق إلى الناظر صاحب الدليل إلى دليله من الدخل عليه فيه ، فإن من يدعو إلى اللّه على بصيرة فإن علمه من حق اليقين ، أي حق استقراره في القلب ، لا يزلزله شيء عن مقره ، فهو إدراك الأمر على ما هو ، لأنه علم محقق ، لذلك جاء في القرآن
« أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي »
وهم هؤلاء الذين ذكرناهم ، فرب حديث صحيح من طريق رواية الثقات عندنا ليس بصحيح في نفس الأمر ، فنأخذه على طريق غلبة الظن لا على العلم ، وهذه الطائفة التي ذكرناها تأخذه من هذا الطريق فتكون من عدم صحة ذلك الخبر الصحيح عندنا على بصيرة أنه ليس بصحيح في نفس الأمر ، وبالعكس ، وهو أن يكون الحديث ضعيفا من أجل ضعف الطريق ، من وضّاع فيه أو مدلس ، وهو في نفس الأمر صحيح ، فتدرك هذه الطائفة صحته ، فتكون فيه على بصيرة ، فهؤلاء هم ورثة الأنبياء لاشتراكهم في الخبر ، وانفراد الأنبياء بالتشريع ، واشترك الرسول ومن اتبعه في الدعوة إلى اللّه على بصيرة ، ومنها الأخذ عن اللّه مباشرة دون واسطة ، ومن هذا المقام قال أبو يزيد البسطامي : حدثني قلبي عن ربي ، فأنكر عليه من أنكر وغاب عنه نص الكتاب وهو هذه الآية ، فكل علم لا يكون حصوله عن كشف بعد فتح الباب يعطيه الجود الإلهي ويبديه ويوضحه فهو شعور لا علم ،