[ لو أن لي بكم قوة ]
يقول لوط عليه السلام لقومه :
« لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً »
أي همة فعالة ، فمن كان الحق قواه فلا همة تفعل فعل من هذه صفته ، لكن الأمر لا يكون إلا ما سبق به الكتاب ، وهو عليه السلام من أعلم الناس باللّه ، ويعلم أنه ما يكون إلا ما سبق به الكتاب ، ولا كتب تعالى إلا ما علم ، وما علم إلا ما هو المعلوم عليه ، فلا تبديل لكلمات اللّه ، وما يبدل القول لديه ، وما هو بظلام للعبيد ، فلا يقع إلا ما هو الأمر عليه ، ولو حرف امتناع لامتناع ، فأراد بالقوة إظهار الأثر الذي جاء به ، وهو شريعته فيهم ، ثم قال
« أَوْ »
وهي أداة أعطته ما عليه الإمكان ، فقال
« أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ »
فأراد بالركن الشديد - إذ لم يتمكن الأثر فيهم - أن يحمي نفسه عنهم حتى لا يؤثروا فيه ، فلهذا صلّى اللّه عليه وسلم ذكر الأمرين القوة والإيواء ، ولا شك أن الرسل عليهم السلام أعلم الناس باللّه ، فلا يأوون إلا إلى اللّه ، فآوى إلى من يفعل ما يريد ولا اختيار في إرادته ولا رجوع عن علمه ، فآوى إلى من لا تبديل لديه ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : [ يرحم اللّه أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ] يعني بذلك إيواءه إلى اللّه ، والاستناد إلى القوي حمى لا ينتهك ، فيرجع طالب انتهاكه خاسرا ، لذلك اشتدت العقوبة على قوم لوط ، وإن كان يحتمل من قول لوط عليه السلام
« أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ »
يريد القبيلة ، لأني لا أستطيع الانتقال من الركن الإلهي إلى الركن الكوني ، وقد شهد له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بذلك فقال : [ يرحم اللّه أخي لوطا ، فقد كان يأوي إلى ركن شديد ] ، أتراه صلّى اللّه عليه وسلم أكذبه ؟ حاشى للّه ، وإن كان الركن الشديد الذي أراده لوط ، هو القبيلة ،