تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
ابتداء الغرق عذابا ، فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم تتخللها معصية ، فقبضت على أفضل عمل ، وهو التلفظ بالإيمان ، كل ذلك حتى لا يقنط أحد من رحمة اللّه ، والأعمال بالخواتيم ، فلم يزل الإيمان باللّه يجول في باطن فرعون ، وجاء طوعا في إيمانه ، وما عاش بعد ذلك ، فقبض فرعون ولم يؤخر في أجله في حال إيمانه ، لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى ، ثم قوله تعالى في تتميم قصته هذه
« وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ »
وقد أظهرت نجاتك آية أي علامة على حصول النجاة ، فغفل أكثر الناس عن هذه الآية وقضوا على المؤمن بالشقاء ، وأما قوله تعالى :
( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ )
فما فيه نص أنه يدخلها معهم ، بل قال اللّه :
( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ )
ولم يقل ( أدخلوا فرعون وآله ) ورحمة اللّه أوسع من حيث أن لا يقبل إيمان المضطر ، وأي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق ، واللّه يقول :
( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ )
فقرن للمضطر إذا دعاه الإجابة وكشف السوء عنه ، وهذا آمن للّه خالصا ، وما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفا من العوارض ، أو يحال بينه وبين هذا الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال ، فرجح جانب لقاء اللّه على البقاء بالتلفظ بالإيمان ، وجعل ذلك الغرق
( نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى )
فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الأجاج ، وقبضه على أحسن صفة هذا ما يعطي ظاهر اللفظ ، وهذا معنى قوله :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى )
يعني في أخذه نكال الآخرة والأولى ، وقدم ذكر الآخرة وأخر الأولى ليعلم أن العذاب - أعني عذاب الغرق - هو نكال الآخرة ، فلذلك قدمها في الذكر على الأولى ، وهذا هو الفضل العظيم .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 93 إلى 94 ]

وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 93 ) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 )