تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
أخذه اللّه في تلك الحال نكال الآخرة والأولى ، وجعل ذلك عبرة لمن يخشى ، وما أشبه إيمانه إيمان من غرغر ، فإن المغرغر موقن بأنه مفارق ، قاطع بذلك ، وهذا الغرق هنا لم يكن كذلك ، لأنه رأى البحر يبسا في حق المؤمنين ، فعلم أن ذلك لهم بإيمانهم ، فما أيقن بالموت ، بل غلب على ظنه الحياة ، فليس منزلته منزلة من حضره الموت فقال :
( إِنِّي تُبْتُ الْآنَ )
ولا هو من الذين يموتون وهم كفار فأمره إلى اللّه تعالى .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 92 ]

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 )

[ كان حكم آل فرعون في نفس الأمر خلاف حكم فرعون في نفسه ]

كان حكم آل فرعون في نفس الأمر خلاف حكم فرعون في نفسه ، فإنه علم صدق موسى عليه السلام ، وعلم حكم اللّه في ظاهره بما صدر منه ، وحكم اللّه في باطنه بما كان يعتقده من صدق موسى فيما دعاهم إليه ، وكان ظهور إيمانه المقرر في باطنه عند اللّه مخصوصا بزمان مؤقت ، لا يكون إلا فيه ، وبحالة خاصة ، فظهر بالإيمان لما جاء زمانه وحاله ، فغرق قومه آية ، ونجاة فرعون ببدنه دون قومه عند ظهور إيمانه آية ، فمن رحمة اللّه بعباده أن قال
« فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ »
يعني دون قومك
« لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً »
أي علامة لمن آمن باللّه أي ينجيه اللّه ببدنه أي بظاهره ، فإن باطنه لم يزل محفوظا بالنجاة من الشرك ، لأن العلم أقوى الموانع ، فسوّى اللّه في الغرق بينهم ، وتفرقا في الحكم ، فجعلهم سلفا ومثلا للآخرين ، يعني الأمم الذين يأتون بعدهم ، وخص فرعون بأن تكون نجاته آية لمن رجع إلى اللّه بالنجاة ، فإن الحق خاطب فرعون بلسان العتب وأسمعه
( آلْآنَ »
أظهرت ما قد كنت تعلمه
( وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )
فهي كلمة بشرى لفرعون عرفنا الحق بها لنرجو رحمته مع إسرافنا وإجرامنا ، ثم قال :
« فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ »
فبشره قبل قبض روحه
« بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً »
يعني لتكون النجاة لمن يأتي بعدك
« آيَةً »
علامة ، إذا قال ما قلته تكون له النجاة مثل ما كانت لك ، وما في الآية أن بأس الآخرة لا يرتفع ولا أن إيمانه لم يقبل ، وإنما في الآية أن بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذا آمن في حال رؤيته إلا قوم يونس ، فقوله :
« فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ »
إذ العذاب لا يتعلق إلا بظاهرك ، وقد أريت الخلق نجاته من العذاب ، فكان