تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
كما أمره اللّه وأخبر اللّه أن صلاته سكن للمتصدق ، يسكن إليها ، وهذه صفات تناقض النفاق وما يجده المنافق عند اللّه ، فلم يتمكن لهذه الشروط أن يأخذ منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الصدقة لما جاءه بها بعد قوله ، وامتنع أيضا بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن أخذها منه أبو بكر وعمر ، لما جاء بها إليهما في زمان خلافتهما ،

[ اخذ عثمان الزكاة من ثعلبة ]

فلما ولي عثمان بن عفان الخلافة جاء بها فأخذها منه ، متأولا أنها حق الأصناف الذين أوجب اللّه لهم هذا القدر في عين هذا المال ، وهذا الفعل من عثمان من جملة ما انتقد عليه ، وينبغي أن لا ينتقد على المجتهد حكم ما أداه إليه اجتهاده ، فإن الشرع قد قرر حكم المجتهد ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما نهى أحدا من أمرائه أن يأخذ من هذا الشخص صدقته ، وقد ورد الأمر الإلهي بإيتاء الزكاة ، وحكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في مثل هذا قد يفارق حكم غيره ، فإنه قد يختص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأمور لا تكون لغيره لخصوص وصف ، إما تقتضيه النبوة مطلقا أو نبوته صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن اللّه قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم في أخذ الصدقة
« تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها »
وما قال : « يتطهرون » ولا « يتزكون بها » فقد يكون هذا من خصوص وصفه ، وهو رؤوف رحيم بأمته ، فلو لا ما علم أن أخذه يطهره ويزكيه بها وقد أخبره اللّه أن ثعلبة بن حاطب يلقاه منافقا ، فامتنع أدبا مع اللّه ، فمن شاء وقف لوقوفه صلّى اللّه عليه وسلم كأبي بكر وعمر ، ومن شاء لم يقف كعثمان لأمر اللّه بها العام ، وما يلزم غير النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يطهر ويزكي مؤدي الزكاة بها ، والخليفة فيها إنما هو وكيل من عينت له هذه الزكاة أعني الأصناف الذين يستحقونها ، إذ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما نهى أحدا ولا أمره فيما توقف فيه واجتنبه ، فساغ الاجتهاد وراعى كل مجتهد الدليل الذي أداه إليه اجتهاده ، فمن خطأ مجتهدا فما وفاه حقه ، وإن المخطئ والمصيب منهم واحد لا بعينه .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 78 ]

أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 ) اعلم أن العلم بالأمر لا يتضمن شهوده فدل أن نسبة رؤيتك الأشياء غير نسبة علمك بها ، فالنسبة العلمية تتعلق بالشهادة والغيب ، فكل مشهود معلوم ما شهد منه ، وما كل معلوم مشهود ، وما ورد في الشرع قط أن اللّه يشهد الغيوب ، وإنما ورد يعلم الغيوب ، ولهذا وصف نفسه بالرؤية فقال :
( أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى )
ووصف نفسه بالبصر وبالعلم ،