« وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ »
رجعنا عما كنا عليه من مخالفتك ، من حال البطر والأشر وكفران النعم ، إلى حال التوبة والافتقار
« قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ »
ثم قال تعالى مبالغة في الرحمة الواجبة والامتنانية
[ « وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ »
]
:
« وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ »
وهي رحمة الامتنان ، وهي الرحمة العامة التي يرحم اللّه بها العالم من عين المنة ، لا الرحمة الواجبة المخصوصة ، فإن الرحمة جعلها اللّه لخلقه ، فمنا من تفيض عليه الرحمة من خزائن الوجوب ، ومنا من تفيض عليه الرحمة من خزائن المنن ، فالكل طامع ، والمطموع فيه واسع
( إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ )
أترى هذه السعة الربانية تضيق عن شيء وهي لم تضق عن الممكنات إذ كانت في الشر المحض وهو العدم ؟ فكيف تضيق عن الممكنات إذ هي في الشر المشوب ؟ فقوله تعالى :
« وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ »
وجد ويوجد إلى غير نهاية ، فبرحمة اللّه يحيا ويرزق كل موجود سوى اللّه ، فالرحمة شاملة ، وهي في كل موطن بحسب ذلك الموطن ، فأثرها في النار بخلاف أثرها في الجنة ، فوسعت كل شيء من مكروه وغيره ، وغضب وغيره ، فما في العالم عين قائمة ولا حال إلا ورحمة اللّه تشمله وتحيط به ، وهي محل له ، ولا ظهور له إلا فيها ، والرحمة حكم لا عين ، فإنها لو كانت عينا وجودية لانتهت وضاقت عن حصول ما لا يتناهى فيها وإنما هي حكم يحدث في الموجودات بحدوث أعيان الموجودات ، وغضبه تعالى شيء ، فقد وسعته الرحمة وحصرته وحكمت عليه ، فلا يتصرف إلا بحكمها ، فترسله إذا شاءت ، وتمسكه إذا شاءت ، ومن ذلك أن ملائكة العذاب قد وسعتهم الرحمة كسائر الأشياء ، فيمنعهم ما وسعهم منها عن مقاومة الرحمة ، فيجدون في نفوسهم رحمة بأهل النار ، لأنهم يرون اللّه قد تجلى في غير صورة الغضب الذي كان قد حرضهم على الانتقام من الأعداء ، فيشفعون عند اللّه في حق أهل النار الذين لا يخرجون منها ، فيكونون لهم بعد ما كانوا عليهم ، فيقبل اللّه شفاعتهم فيهم ، وقد حقت الكلمة الإلهية أنهم عمار تلك الدار ، فيجعل الحكم فيهم للرحمة التي وسعت كل شيء ، فأعطاهم في جهنم نعيم المقرور والمحرور ، لأن نعيم المقرور بوجود النار ، ونعيم المحرور بوجود الزمهرير ، فتبقى جهنم على صورتها ذات حر وزمهرير ، ويبقى أهلها متنعمين فيها بحرها وزمهريرها ، فمآل