تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
فإن عينه ثابتة ، ولهذا أعاد الضمير عليه لوجوده في قوله : كنت سمعه ، فهذه الهاء هي عينه الذي الحق سمعها وبصرها ، وهذه القوى قد أخبر الحق أنه لما أحبك كان سمعك وبصرك ، فهو قواك ، فبه سلكت في طاعته التي أمرك أن تعمل نفسك فيها ، وتحلي ذاتك بها ، وهي زينة اللّه ، وهو سبحانه الجميل والزينة جمال ، فهو جمال هذا السالك ، فزينته ربه ، فبه يسمع ، وبه يبصر ، وبه يسلك ، ولا مانع من ذلك ، ولهذا قال :
« مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ »
لما أحبهم حين تقربوا إليه بنوافل الخيرات ، زينهم به ، فكان قواهم التي سلكوا بها ما كلفهم من الأعمال .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 33 ]

قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) قوله تعالى :
« وَالْإِثْمَ »
قد يكون هنا الإثم اسم الخمر ، فإن العرب تسمي الخمر الإثم ، قال الشاعر :
شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذلك الإثم يذهب بالعقول
وثبت بهذه الآية أن الفاحشة هي فاحشة لعينها ، ولهذا حرمها اللّه ، فقيل لمحمد عليه السلام :
« قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ »
أي ما علم وما لم يعلم إلا بالتوقيف ، لغموض إدراك الفحش ، فكل محرم حرمه اللّه على عباده فهو فحش ، وما هو عين ما أحله في زمان آخر ولا في شرع آخر ، فهذا هو الذي بطن علمه ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : [ إن سعدا لغيور ، وأنا أغير من سعد ، واللّه أغير مني ، ومن غيرته حرم الفواحش ] فجعل الفواحش حراما محرما ، كما حرم مكة وغيرها ، فتخيل من لا علم له أن ذلك إهانة ، وهو تعظيم ، إذ هو من شعائر اللّه وحرماته ، واللّه يقول :
( مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ )
فالتحريم دليل على التعظيم ، فما أمرك اللّه إلا بما هو خير لك وهو عند اللّه عظيم ، وما نهاك إلا عما هو تركه خير لك لعظيم حرمته عنده ، فمن غيرته حرم الفواحش ليفتضح المحبون في دعواهم محبته ، فغار أن يدعي الكاذب دعوى الصادق ، ولا يكون ثم ميزان يفصل بين الدعوتين ، فحرم الفواحش ، فمن ادعى محبته وقف عند حدوده ، فتبين الصادق من