الثياب ، وخدمتهم أبناء فارس ، يتزين الرجل منهم تزين المرأة لزوجها ، ويتبرج النساء ، زيهم زي الملوك الجبابرة ، ودينهم دين كسرى وهرمز ، يتسمون بالجشاء ، فإذا تكلم أولياء اللّه عزّ وجل ، عليهم العباءة ، منحنية أصلابهم ، قد ذبحوا أنفسهم من العطش ، فإذا تكلم منهم متكلم ، كذّب وقيل له : أنت قرين الشيطان ورأس الضلالة ، تحرم زينة اللّه والطيبات من الرزق ، ويتلون كتاب اللّه عزّ وجل على غير علم ، استذلوا أولياء اللّه عزّ وجل ، اعلم يا أسامة ، أن أقرب الناس إلى اللّه عزّ وجل يوم القيامة من أطال حزنه وعطشه وجوعه في الدنيا ، الأخفياء الأبرياء الذين إذا شهدوا لم يقربوا ، وإذا غابوا لم يفتقدوا ، تعرفهم بقاع الأرض يعرفون في أهل السماء ويخفون على أهل الأرض ، وتحف بهم الملائكة ، تنعم الناس بالشهوات ، وتنعموا هم بالجوع والعطش ، لبس الناس ليّن الثياب ، ولبسوا هم خشن الثياب ، وافترش الناس الفراش ، وافترشوا الجباه والركب ، ضحك الناس وبكوا ، يا أسامة لا يجمع اللّه عزّ وجل عليهم الشدة في الدنيا والآخرة ، لهم الجنة ، فيا ليتني قد رأيتهم ، يا أسامة ، لهم الشرف في الآخرة ، ويا ليتني قد رأيتهم ، الأرض بهم رحبة ، والجبار عنهم راض ، ضيّع الناس فعل النبيين وأخلاقهم ، وحفظوا ، الراغب من رغب إلى اللّه مثل رغبتهم ، والخاسر من خالفهم ، تبكي الأرض إذا فقدتهم ، ويسخط اللّه على كل بلدة ليس فيها مثلهم ، يا أسامة إذا رأيتهم في قرية فاعلم أنهم أمان لأهل تلك القرية ، لا يعذب اللّه عزّ وجل قوما هم فيهم ، اتخذهم لنفسك عسى أن تنجو بهم ، وإياك أن تدع ما هم عليه ، فتزل قدمك ، فتهوي في النار ، طلبوا الفضل في الآخرة ، تركوا الطعام والشراب على قدرة ، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيفة ، شغل الناس بالدنيا وشغلوا أنفسهم بطاعة اللّه عزّ وجل ، لبسوا الخلق ، وأكلوا الفلق ، تراهم شعثا غبرا ، يظن الناس أن بهم داء وما ذاك بهم ، ويظن الناس أنهم خولطوا وما خولطوا ، ولكن خالط القوم حزن ، وتظن أنهم ذهبت عقولهم وما ذهبت عقولهم ، ولكن نظروا بقلوبهم إلى أمر ذهب بعقولهم عن الدنيا ، فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول ، يا أسامة عقلوا حين ذهبت عقول الناس ، لهم الشرف في الآخرة - انته الحديث - فانظر يا ولي وصف حبيب اللّه ورسوله لأولياء اللّه ، وكيف نعتهم ، فإن قلت إن زينة اللّه هي الحلال التي ما فيها حرام ، فما حكم المتنعم في الدنيا المباح له التنعم في الحلال ؟ قلنا : لا نمنع ذلك في حق غير العارف ، ولكن العارف تحت سلطان
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 140
مساهمون: ابن عربي
ص١٤٠