تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
من أسماء اللّه ، والطين ظلمة محضة ، فجمع إبليس بين الجهل والكذب ، فإنه ما هو خير منه لا عند اللّه ولا في النشأة ، وفضل بين الأركان ولا فضل بينها في الحقائق ، وما علم أن سلطان الماء الذي خلق منه آدم أقوى منه فإنه يذهبه ، وأن التراب أثبت منه للبرد واليبس ، فلآدم القوة والثبوت لغلبة الركنين اللذين أوجده اللّه منهما ، وإن كان فيه بقية الأركان ولكن ليس لها ذلك السلطان ، وهو الهواء والنار ، وإبليس بحكم أصل نشأته بخلقه من لهب النار له عدم الثبوت وعدم البقاء على حالة واحدة ، فهو سريع الحركة بحكم أصل خلقه من لهب النار ، والإنسان له الثبوت فإنه من التراب ، فله البرد واليبس فهو ثابت في شغله .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 13 ]

قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) أهبط إبليس للأرض عقوبة لما وقع منه فسأل اللّه الإغواء أن يدوم له في ذرية آدم لما عاقبه اللّه بما يكرهه من إنزاله إلى الأرض فقال تعالى مخبرا عنه .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 14 إلى 17 ]

قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) إن الأعمال هنا في التكليف مقسمة على أربع جهات ، قرن اللّه السعادة والشقاء بها ، وهي اليمين والشمال والخلف والأمام ، لأن الفوقية لا يمشي الجسم فيها بطبعه ، والتحتية لا يمشي فيها الروح بطبعه ، فما جعلت سعادة الإنسان وشقاوته إلا فيما يقبله طبعه في روحه وجسمه ، وهن الجهات الأربع ، وبها خوطب ، ومنها دخل عليه إبليس ، فهي جهات الأهواء ، ولم يقل من فوقهم ولا من تحتهم لأنه لم يقترن بها عمل ، فإنها للتنزل الإلهي والوهب الرباني الرحماني الذي له العزة والمنع والسلطان ، فلما علم إبليس بهذه الجهات قال :
« ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ »
فما جاء إبليس إلا من الجهات التي تؤثر في سعادة الإنسان إن سمع منه وقبل ما يدعوه إليه ، وفي شقاوته إن لم يسمع منه ولم يقبل ما دعاه
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 126 | ابن عربي / محمود محمود الغراب