تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً »
هو قدحهم في أهل الإيمان من حيث إيمانهم ، وتزيين ما هم عليه من الباطل ، ومداخل الشيطان إلى نفوس العالم كثيرة ، وهو يستدرج كل طائفة من حيث ما هو الغالب عليها ، فإنه عالم بمواقع المكر والاستدراج ، وقد أعطاك اللّه في العامة ميزان الشريعة ، وميّز لك بين فرائضه ومندوباته ومباحه ومحظوره ومكروهه ، ونص على ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله ، فإذا خطر لك خاطر من محظور أو مكروه فتعلم أنه من الشيطان بلا شك ، فوحي الشيطان هو ما يزينه من الأعمال وإن كان لها وجه إلى الحق ، فالمعدن خبيث ، يروى أن إبليس جاء إلى عيسى عليه السلام فقال له : قل لا إله إلا اللّه ، فهذه كلمة حق من معدن خبيث ، فقال له عيسى عليه السلام : يا ملعون أقولها لا لقولك وأمرك .
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ »
اعلم أن المهانة حقيقة العالم التي هو عليها ، لأنه بالذات ممكن فقير ، فهو ممنوع من نيل جميع أغراضه وإرادته منعا ذاتيا ، ولا يحجبنك وقوع بعض مراداته ، ونيل بعض أغراضه ، عما قلناه في حقه ، فإن ذلك ما وقع له إلا بإرادة الحق لا بإرادته ، فذلك المراد وإرادة العبد معا إنما هما واقعان بإرادة الحق ، فهو ممتنع بالذات أن يكون شيء في الوجود موجودا عن إرادة العبد ، ولو كان لإرادة العبد نفوذ في أمر خاص لعم نفوذها في كل شيء ، لو كان ذلك المراد وقع لعين إرادة الممكن ، فتعين أن ذلك الواقع وقع بإرادة اللّه عزّ وجل ، فالعالم ممنوع لذاته كما هو ممكن مهان لذاته ، وإنما كان مهانا لذاته لأن العبودية له ذاتية ، وهي الذلة ، وكل ذليل مهان ، وكل مهان محتقر ، وكل محتقر مغلوب
« فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ »
فجعلهم أهل افتراء على اللّه .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 113 ]

وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 ) فالسامع إذا كان سريع الانفعال لما يسمع فيجب عليه عقلا أن لا يصغي لقائل شر .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 114 إلى 117 ]

أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 ) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 116 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 108 | ابن عربي / محمود محمود الغراب