تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
وكل مرئي لا يرى الرائي - إذا رآه - منه إلا قدر منزلته ورتبته فما رآه ، وما رأى إلا نفسه ، ولولا ذلك ما تفاضلت الرؤية في الرائين ، إذ لو كان هو المرئي ما اختلفوا ، لكن لما كان هو مجلى رؤيتهم أنفسهم ، لذلك وصفوه بأن يتجلى ، وأنه يرى ، ولكن شغل الرائي برؤية نفسه في مجلى الحق حجبه عن رؤية الحق ، فإن اللّه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، قال صلّى اللّه عليه وسلم في حديث الدجال ودعواه أنه إله : إن أحدنا لا يرى ربه حتى يموت ، لأن الغطاء لا ينكشف عن البصر إلا بالموت ، والبصر من العبد هوية الحق ، فعينك غطاء على بصر الحق ، فبصر الحق أدرك الحق ورآه لا أنت ، فإن اللّه لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، ففي مدلول هذه الآية أنه يدرك تعالى نفسه بنفسه ، لأنه إذا كان بهويته بصر العبد ، ولا يقع الإدراك البصري إلا بالبصر ، وهو عين البصر المضاف إلى العبد ، وقال : إنه يدرك الأبصار ، وهو عين الأبصار ، فقد أدرك نفسه ، لذلك قال :
« وَهُوَ اللَّطِيفُ »
ولا ألطف من هوية تكون عين بصر العبد ، وبصر العبد لا يدرك اللّه ، وليس في القوة أن يفصل بين البصرين ،
« اللَّطِيفُ »
من حيث أنه لا تدركه الأبصار ، و
« اللَّطِيفُ »
المعنى من حيث أنه يدرك الأبصار ، أي دركه للأبصار دركه لنفسه ، وهذا غاية اللطف والرقة ، فما لطفه ولا أخفاه إلا شدة ظهوره ، فإنه البصر لكل عين تبصر ، فمن نظر بعين الإيمان رأى قوة نفوذه في الكثيف ، حتى سرى إلى اللطيف « الخبير » فيحصل له المعرفة بالأمر على ما هو عليه » ، « اللطيف » إذ كانت اللطافة مما ينبو الحس عن إدراكها ، فتعقل ولا تشهد ، فتسمى في وصفه الذي تنزه أن يدرك فيه باللطيف ، أي تلطف عن إدراك المحدثات ، ومع هذا فإنه يعلم ويعقل أن ثمّ أمرا يستند إليه ، فأتى بالاسم
« الْخَبِيرُ »
على وزن فعيل ، وفعيل يرد بمعنى المفعول ، كقتيل بمعنى مقتول ، وجريح بمعنى مجروح ، وهو المراد هنا والأوجه ، وقد يرد بمعنى الفاعل كعليم بمعنى عالم ، وقد يكون أيضا هو المراد هنا ، ولكنه يبعد ، فإن دلالة مساق الآية لا تعطي ذلك ، فإن مساقها في إدراك الأبصار لا إدراك البصائر فإن اللّه قد ندبنا إلى التوصل بالعلم به فقال : ( فاعلم أنه لا إله إلا اللّه ) ولا يعلم حتى ينظر في الأدلة ، فيؤدينا النظر فيها إلى العلم به على قدر ما تعطينا القوة في ذلك ، فلهذا رجحنا خبير هنا بمعنى المفعول ، أي أن اللّه يعلم ويعقل ، ولا تدركه الأبصار . ومن وجه آخر
« الْخَبِيرُ »
يشير إلى علم ذلك ذوقا ، فهو العليم خبرة أنه بصر العبد في بصر العبد ، وكذا
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 105 | ابن عربي / محمود محمود الغراب