تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
القهار ) وفي توحيد الربوبية هنا عمّ إضافة جميعنا إليه ، فقال :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ »
كل موجود سوى اللّه تعالى مركّب ، وهو الموجب لاستصحاب الافتقار له ، فإنه وصف ذاتي ، والذي نسمعه من البسائط إنما هي أمور معقولة لا وجود لها في أعيانها ، وقال تعالى :
« خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ »
لنعلم أن الوجود مقسم بين عابد ومعبود ، فالعابد كل ما سوى اللّه تعالى ، وهو العالم المعبر عنه والمسمى عبدا ، والمعبود هو المسمى اللّه ، فكل ما سوى اللّه عبد للّه ، ما خلق ويخلق .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 103 ]

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 )

[ « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »

]
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
الضمير يعود على الوجه ، ووجه الشيء ذاته وحقيقته ، التي قال فيها الحق : [ لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره ] ، ولكن البصر يدركه من حيث التجلي الصوري في الأسماء من قوله تعالى :
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ )
وقوله صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح : [ ترون ربكم ]
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
لأنه نور ، والنور لا يدرك إلا بالنور ، فلا يدرك النور إلا به
« وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
لأنه نور
« وَهُوَ اللَّطِيفُ »
لأنه يلطف ويخفى في عين ظهوره فلا يعرف ولا يشهد كما يعرف نفسه ، ويشهدها ،
« الْخَبِيرُ »
علم ذوق ،
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
يعني في الدنيا مع ثبوت الرؤيا في الآخرة ،
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
ولم يخص دارا من دار ، بل أرسلها آية مطلقة ، ومسئلة معينة ، فلا يدركه سواه ، قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : أرأيت ربك ؟ فقال : نور أنّى أراه ، فلا يزال حجاب العزة مسدلا ، لا يرفع أبدا ، جلّ أن تحكم عليه الأبصار عند مشاهدتها إياه ، لأنها في الحيرة والعجز ، فرؤيتها لا رؤيتها ، كما قال الصديق : العجز عن درك الإدراك إدراك . والمعنى الآخر أنه ما رآه مني إلا هويته ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : واجعلني نورا ، وظلمتي لا تدركه .
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
فإن البصر جاء ليدرك به لا أنه يدرك ، ولذا جاء في قوله
« لا تُدْرِكُهُ »
بضمير الغائب ، والغيب غير مدرك بالبصر والشهود ، وهو الباطن تعالى ، فإنه لو أدرك لم يكن غيبا ولا بطن ، ولكن
« يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
فإنه لا يلزم الغيبة من الطرفين ، ما يلزم من هو غائب عنك أن تكون غائبا عنه ، قد يكون ذلك وقد لا يكون ، وأنت ظاهر ولا بد ،
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
فكثّر وجمع ، فإنها أبصار الكون ، والحقيقة المنفية في هذه