وعرف أن الإقامة فيها في النشأة الآخرة إلى غير ما نهاية ما عرفنا ذلك ، وما خرجنا في كل حال من موت وإقامة وبعث أخروي وجنان ونعيم ونار وعذاب بأكل محسوس وشرب محسوس ونكاح محسوس ولباس على المجرى الطبيعي ، فعلم اللّه أوسع وأتم ، والجمع بين العقل والحس والمعقول والمحسوس أعظم في القدرة وأتم في الكمال الإلهي ، فالأولى بكل ناصح نفسه الرجوع إلى ما قالته الأنبياء والرسل على الوجهين المعقول والمحسوس ، إذ لا دليل للعقل يحيل ما جاءت به الشرائع ، فألزم الإيمان نفسك تربح وتسعد إن شاء اللّه .
هامش
وأما من ذهب من أهل التأويل إلى أن القائلين« رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ »أنهم الذين لا رغبة لهم فيما عند ربهم من الأجر والثواب في الآخرة عن قصد ، فما هم بمؤمنين ولا قضى هذا منسكا مشروعا قط ، والظاهر أن الحق سبحانه ما قسم إلا الذين قضوا مناسكهم ، وقوله : ( 203 )« أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا »يعم الفريقين ، وأما الفريق الثاني فلا شك فيه ، وأما الفريق الأول الذين غفلوا عن طلب خير الآخرة لشغلهم بما غلب عليهم من ضيق الدنيا ، فأخبر تعالى أن لهم نصيبا في الآخرة مما كسبوه من الأعمال في الحج ، وما لهم من حيث دعاؤهم في الآخرة نصيب ، وأما الآخرون فلهم نصيب من أعمالهم ولهم نصيب في الآخرة أيضا من دعائهم في ذلك ، ثم نبه سبحانه بقوله :« وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ »لتعجيل نيل ما كسبوه من أعمالهم ، أخبر أنه يحاسبهم سريعا ليفضوا إلى نعيمهم ، فهي بشرى لهم سرعة الحساب لمن يحاسب ، وفيه فائدة أخرى ليتنبه طالب الدنيا بأنه محاسب على ما يؤتيه اللّه منها ، فيكون معظم طلبه ما يتعلق بجانب الآخرة ويقلل من ذكر طلب الدنيا ، إذ الدنيا جواز ليس له منها إلا سد جوعة وستر عورة بأي نوع كان ، ( 204 )« وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ »الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، وهي أربعة أيام بيوم النحر ، وإنما أمر اللّه بالذكر في هذه الأيام فإنها كما قال عليه السلام :
[ أيام أكل وشرب وبعال ] وهذه أسباب مؤدية إلى الغفلة عن ما يجب علينا من شكر اللّه على ما أعاننا عليه من قضاء مناسكه ، وما أسبغ علينا من نعمه التي كان حرمها علينا في حجنا ، وأمرنا بالذكر وشرع في هذه الأيام التكبير إدبار الصلوات والدعاء عند رمي الجمار ، وقسم الجمار على الأيام كلها ، كل ذلك حتى لا نغفل ، ولم يقيد الذكر في هذه الأيام المعدودات كما قيده في الأيام المعلومات على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء اللّه ، وأرسل الذكر هنا مطلقا حتى يعم جميع الأذكار بجميع النعم ، إذ كان عقيب فراغ من عبادات جمة ونعم متوالية ، فسبحان العليم الحكيم ، مرتب الأمور مواضعها ، وقوله :« فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ »يريد يومين بعد يوم