تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
والصراط المحسوس ، والنار والجنة المحسوستين ، فإن كل ذلك حق ، وأعظم في القدرة ، فإن ثمّ نشأتين ، نشأة الأجسام ونشأة الأرواح وهي النشأة المعنوية ، ولولا أن الشرع عرّف بانقضاء هذه الدار ، وأن كل نفس ذائقة الموت ، وعرف بالإعادة ، وعرف بالدار الآخرة ،
هامش
السين ، يقال نسك ينسك نسكا ونسيكة ومنسكا إذا ذبح نسكه بفتح السين ، ويجمع على مناسك ، والنسك أيضا العبادة والزهد ، والمنسك الموضع المشروع للعبادة فيه ، ومناسك الحج من ذلك ، فإنها أماكن مخصوصة وأفعال مخصوصة ، وهي ما بين فرض وسنة واستحباب ، فقال تعالى :« فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ »أي الأفعال التي شرعناها لكم في أماكنها ، على حد ما شرعناها من واجب وغيره« فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ »يدل على أن عادتهم كانت جارية منهم في ذلك الزمان بعد فراغ المناسك يذكرون آباءهم ويفتخرون بأنسابهم ، ويقومون النسابون في ذلك الوقت فيذكرون الأنساب ، وحكاية أبي بكر الصديق مع الأعرابي مذكورة بحضور النبي عليه السلام ، فلما كان لهم بذكر آبائهم في ذلك الموطن شدة عناية ، قال اللّه لهم :« فَاذْكُرُوا اللَّهَ »مثل ذكركم آباءكم ، أي افتخروا باللّه واذكروا نعمه عليكم كما تذكرون آباءكم« أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً »يقول : بل أكثر ذكرا ، لأن الذي تنسبونه لآبائكم من الفخر الذي تفخرون به إنما هو من عطائي ونعمتي ، وأنا أحق بالذكر ، وإنما قرر ذكر الآباء بالخير من البر بالوالدين والإحسان لهم ، وقد قرر الشارع ذلك لعباده فقال :( أَنِ اشْكُرْ لِي )وهو قوله :« أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً »( وَلِوالِدَيْكَ )وهو قوله :« كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ »وقال :( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً )( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً )ولم يخص سبحانه بهذا الذكر الذي أمرنا به ذكرا من ذكر ، لكن نبه بما ذكر بعد ذلك أن الدعاء من الذكر المطلوب هنا ، إذ كان من دعاك فقد ذكرك ، وليس كل من ذكر دعا ، فقال تعالى :« فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ »( 202 )« وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ »يقول : فمن الناس« مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا »يطلب من اللّه خيرا في الدنيا ، وما له في الدعاء في خير الآخرة« مِنْ خَلاقٍ »أي من نصيب ، وهذا حالة من اشتدت ضرورته في الدنيا حتى أنسته الآخرة ، فأخبر اللّه تعالى عنه أنه ما جعل للآخرة في دعائه نصيبا و « منهم » يعني من الناس« مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً »أي حالة حسنة في كل شيء ومن كل شيء« وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً »أي حالة حسنة كذلك ،« وَقِنا عَذابَ النَّارِ »يعم عذاب الدنيا والآخرة ، إذ يجمعهما العذاب ، فإن النار قد تكون في الدنيا رحمة لإصلاح معايش الناس ، فالمسئول الوقاية من عذابها ، ومن خصص التأويل بحسنة دون حسنة فقد قيد ما أطلقه اللّه في الإخبار عنهم ، والناس يسألون بحسب أغراضهم ،