[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 199 إلى 200 ]
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 )
أمر اللّه بذكر اللّه في أيام التشريق ، فإن العرب كانت في هذه الأيام في الموسم تذكر أنسابها وأحسابها لاجتماع قبائل العرب في هذه الأيام ، تريد بذلك الفخر والسمعة ، فهذا معنى قوله :
« كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ »
أي اشتغلوا بالثناء على اللّه بما هو عليه على طريق الفخر إذ كنتم عبيده ، وفخر العبد بسيده ، فإنه مضاف إليه ، وأكبر من ذلك من كونه منه ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : ( مولى القوم منهم ) ولا فخر للعبد بأبيه ، بل فخره بسيده ، وإن افتخر العبد بأبيه فإنما يفتخر به من حيث أن أباه كان مقربا عند سيده ، لأنه عبد مثله ، ممتثلا لأمره واقفا عند حدوده ورسومه ، فإنه أيضا عبد اللّه ، فلهذا قال :
« كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ »
أي أديموا
هامش
به ، فقال :« فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ »ومن الهداية وقوفنا بعرفات ، إذ كانت الحمس لا تقف إلا بالمزدلفة اختصاصا لها على سائر الناس ، لشرفها وتميزها بشفوفها في ذلك الموضع على سائر الناس ، فهدى اللّه نبيه إلى ما هو الحق عنده من الوقوف في ذلك اليوم بعرفة ، وهو قوله :« وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ »في وقوفكم بالمزدلفة ، وقوله : ( 200 )« ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »الأوجه في تأويلها يخاطب الحاج ، يقول لهم : ثم أفيضوا كما أفضتم من عرفات إلى المزدلفة ، أفيضوا من المزدلفة إلى منى ، وقوله :« مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »يريد قريشا فإن قريشا كانت تفيض من المزدلفة ، فلم تكن لهم سوى إفاضة واحدة من المزدلفة إلى منى ، والوجه الآخر : أن يكون الضمير يعود على قريش ، يقول لهم :« ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »يعني من عرفات ، فتكون« ثُمَّ »هنا قد سيقت لترتيب الجمل اللفظية ، لا لترتيب المعنى ، إذ لم يكن في الآيات المذكورة ذكر للحمس ، وإنما خاطب في هذه الآيات كل من حج من أحمس وغيره ، فحملها على ما قلناه أولى في التأويل ، فإنه على التأويل الثاني يكون هذا التأخير يراد به التقديم ، فيكون موضعه بعد قوله :( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ )« ثُمَّ أَفِيضُوا »يعني الحمس ومن تحمّس« مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »