إن قيل : ما وجه قوله :
وَاتَّقى
بعد قوله :
مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ ؟
قيل : فيه وجهان : أحدهما : أي يجعل التقوى عامّا ، وإذا جعلت التقوى خاصّا فلأنها هي المقصودة . إن قيل لم :
يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ،
ولم يقل : يحبهم ؟ قيل : تنبيها أن محبته إياهم لأجل التقوى « 1 » ، فإنك إذا قلت : جاءني يزيد الظريف فأكرمته ، لم يقتض صريح اللفظ أن إكرامك إياه لظرفه ، وفي الآية تنبيه على قياس نتيجته أن اللّه تعالى لا يحبّ اليهود بوجه ، وبيانه أن اللّه يحب المتقين ، ومن لا يوف بعهده [ فليس بمتّق ] « 2 » ، واليهود غير موفين ، فإذن لا يحبّهم اللّه .
قوله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 3 » عهد اللّه متضمن لكلّ عهد عهد إليهم بما ركبّه تعالى في عقولهم ، وما عهد إليهم على لسان أنبيائهم ، ولما أخذه الإنسان على نفسه من أمر التزمه بنذر ، أو يمين ، أو حلف ، أو عقد مما لا يلزمه من جهة الشرع بغير التزام « 4 » ،
هامش
- وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على « بلى » . التفسير الكبير ( 8 / 91 ) .
( 1 ) قال أبو حيّان : وأتى بلفظ المتقين عامّا تشريفا للتقوى وحضّا عليها . البحر المحيط ( 2 / 526 ) .
( 2 ) ليست بالأصل ، ولا يستقيم السياق إلا بها .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 77 .
( 4 ) قال الراغب في المفردات ص ( 592 ) : « وعهد اللّه تارة يكون بما ركّزه في -