[ 114 ] سورة الناس
* قوله تعالى :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
: ثم كرر الناس خمس مرات . قيل : كرر تبجيلا لهم على ما سبق ، وقيل : كرر لانفصال كل آية من الأخرى لعدم حرف العطف .
وقيل : المراد بالأول الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه ، وبالثاني الشبّان ولفظ الملك المنبئ على السياسة يدل عليه / . وبالثالث الشيوخ ولفظ الإله المنبئ عن العبادة يدل عليه ، وبالرابع الصالحون الأبرار ، والشيطان مولع « 1 » بإغوائهم . وبالخامس المفسدون الأشرار وعطفه على المعوّذ منهم يدل على ذلك « 2 » .
هامش
الآية : 3 ، ولما كان أخبث النفوس أثرا وأشدها شررا هي التي تنفث بين الناس لإفساد عيشهم وتكدير صفوهم وحلّ ما أحكم ربطه بينهم قال :وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ.
وختم بالحسد ليعلم أنه أخطرها وأشدها إفسادا ، وإعلاما بأنه أصل ما بين الجن والإنس من العداوة إذ هو أول معصية ارتكبها مخلوق . فطرد من رحمته تعالى ، وليأخذ كل حذره من مباشرة أسبابه ومسبباته الظاهرة والخفية وليقطع النفس عن الدخول في ميادينه بمطاوعتها في التوجه إلى المحسود بالأذى .
فجاء ذلك في هذه السورة على أتم نظام وأروع ترتيب وأبدع تناسب مؤسّسا الدخول في مقاصد السورة التالية .
( 1 ) كذا في « ح » 86 / ب ، « مد » 148 / ب ، واللفظ مطموس في الأصلية .
( 2 ) رجعنا إلى كتاب المصنف [ غرائب التفسير ] لعلنا نجد كلاما آخر ، فوجدنا أن ما ساقه في [ الغرائب ] لا يختلف عما ذكره هنا إلا في بسط العبارة هناك . وننقل عبارته في [ الغرائب ] للإلمام بها :
قال الكرماني في « غرائب التفسير وعجائب التأويل » 224 / ب :
[بِرَبِّ النَّاسِأي باللّه رب الناس ، فحذف الموضوع ، وصرح بذكر الناس خمس مرات ، وكان القياس أن يصرح بالاسم مرة ، ثم يكنى عنه ، كغيرها من الآيات ، وكغيره من الأسماء ، ولكن صرح لانفصال كل آية من الأخرى لعدم ذكر حرف العطف ، وقيل : صرح به تعظيما له وتكرمة . وقيل : لأن كل واحد من ذلك غير الآخر ] .
[ فإن المرادبِرَبِّ النَّاسِالأطفال ولفظ « الرب » المنبئ عن التربية يدل عليه . وبقوله :مَلِكِ النَّاسِالشبان ولفظ « الملك » المنبئ عن السياسة يدل عليه . وبقوله :إِلهِ النَّاسِالشيوخ : ولفظ « الإله » المنبئ عن العبادة والتأليه يدل عليه . والمراد بقوله :صُدُورِ النَّاسِالصالحون والأبرار فإن الشيطان مولع بإغوائهم ، والمراد بقوله :الْجِنَّةِ وَالنَّاسِالصالحون والأشرار وعطفه على المعوّذ منهم يدل عليه ] .
[ قوله :الْوَسْواسِهو مصدر كالزلزال والوسواس من الشيطان . وقيل - وهو القريب - :
وسواس الإنسان من نفسه هي وسوسته التي يحدّث بها نفسه ] .
وعبارة البرهان تلخيص لما ذكره في كتاب « الغرائب » والأخير هو الأسبق تأليفا .
وقد نقل ابن الزملكانى هذا المعنى عن الكرماني مع عدم الإشارة إلى المصدر الذي نقل منه فقال :
[ إضافة رب إلى الناس تؤذن أن المراد بالناس الأطفال ، لأن الرب من رب يربّه ، وهم إلى التربية أحوج وإضافة ( ملك ) إلى ( الناس ) تؤذن بإرادة الشباب ؛ إذ لفظ ملك يؤذن بالسياسة والعزة والشبان إليها أحوج وإضافة ( إله ) إلى ( الناس ) تؤذن أن المراد به الشيوخ ؛ لأن ذاته مستحقة للطاعة والعبادة وهم أقرب .