تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
ولا شك أن الذي رآه الشافعي أولى ، فإن اللّه تعالى ذكر اللغو في معرض إبراز العذر له ، وجعل الكفارة في المعقود ، والعقد ربط القلب بشيء وتجديد القصد إليه ، فإذا كان كذلك ، فينبغي أن يكون من يسقط الكفارة عنه ، إنما يسقط تسبب نسيه أن يكون عذرا ، تسقط به المؤاخذة في الدنيا والآخرة جميعا ، وفي الغموس لا عذر لصاحبه ، وإن سقطت الكفارة ، فليس لأن الغموس تقتضي التخفيف وترك المؤاخذة ، بل تقتضي ضد ذلك . والذي حملهم على ذلك قوله تعالى :
( وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ )
« 1 » ، فذكروا أن حفظ اليمين إنما يتصور في المستقبل ، وهذا غلط ، فإنه ليس حفظ اليمين الامتناع من الحنث ، مع أن الحنث مأمور به في كثير من المواضع ، وقد قال اللّه تعالى :
( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ )
« 2 » . وإنما المراد به الامتناع من اليمين ، فلا يحلف ما استطاع ، ويحفظ لسانه عن اليمين مطلقا . فهذا معنى حفظ اليمين . ويدل عليه أن اليمين قد يكون على فعل الغير ، ولا يتأتى منه حفظ الغير ، مثل قول القائل : لا تطلع الشمس غدا ، ولا تمطر السماء غدا ، أو لتمطرن السماء غدا ، أو ليدخلن السلطان ، إلى غير ذلك مما يعقد اليمين عليه ، فعلم بطلان هذا القول . ولا شك أن الحق متميز في مسند الشافعي رحمه اللّه تعالى في هذه المسألة عند من تأمل فحوى الكلام الدال على نصب اللغو سببا للتخفيف ونفي المؤاخذة ، تارة مطلقا في الدارين ، وتارة في حكم الكفارة ، ولا
هامش
( 1 ) سورة المائدة آية 89 . ( 2 ) سورة التحريم آية 2 .