تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
وأخبرهم أنه يعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ، فكان الاستثناء إلى ها هنا . ويكثر في القرآن التقديم والتأخير في النسق . وروى مالك عن زيد بن أسلم ، مما دل على التقديم والتأخير فقال : قوله تعالى :
( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ )
: معناه من المضاجع ، فالنوم بسبب الحدث ، والغائط وملامسة النساء : سببان آخران للوضوء ، مثل القيام من المضاجع ، فهذه أسباب ثلاثة . وقوله :
( وَأَرْجُلَكُمْ )
، نسق الوجه واليدين ، ومنصوب على ما تقدم من الفعل الواقع عليه في قوله :
( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ )
فأضمر ذلك ، فقوله :
( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )
، له موجب آخر غير المذكور ، فلا يجوز أن يذكر غسل الوجه واليدين موجبا للغائط المذكور بعده ، فليكن الموجب مقدما على الموجب ، وهذا بين ، ولأنا لو لم نقدر هذا ، عددنا السفر والمرض حدثا ، والغائط ولمس النساء ، وليس المرض والسفر حدثا ، ولا هما من أسباب الحدث . الاعتراض عليه أن المخالف يقول : لا يمكن أن تحمل الآية على وجه لا يحتاج فيه إلى تقديم وتأخير ، فإنه تعالى قال
( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ )
محدثين ، من غير أن يذكر سبب الحدث ، ذكر الطهارة الصغرى ، ثم قال مطلقا :
( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )
، من غير أن يكون ذاكرا لسبب الجنابة ، ثم قال :
( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ )
، فذكر السبب بعد ذكر المسبب ، وأراد أن يتعرض للسببين الأصليين اللذين يحصل بهما الحدثان غالبا ، فقال :
( أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ )