بالعرض والتبعية . فالخاصّة يعرفون الدّين الحنيفي الطاهر على أصل الفطرة الطاهرة بمحمّد المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وأمّته الوسط العدل ، كما يعرفون أبناءهم ، وهم على أصل الفطرة وطهارة الخلقة ؛ ولم يقل كما يعرفون آباءهم وإن كانت النبوّة بالأبوّة أشبه ، أي لا يشكّون فيه كما لا يشكّون في الفطرة ومن هو على أصل الفطرة لا من حيث النسبة فقط ؛ وأمّهات الحيوانات على أولادهم أعطف وبهم أعرف إذا قرنت في جانب الأمهات ؛ ولمّا كان المقصود من الذين آتيناهم الكتاب حقّا ، الذين يتلونه حقّ تلاوته كانوا هم الصادقين حقّا ؛ فهم يعرفون الدين الحنيفي الذي فسّرناه بإثبات الكمال في الرجال ، وفسّرنا الرجال بالذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه ، وفسّرنا الصادقين بالمصطفى محمّد وآله الطاهرين ، تشخّص المعنى بهم ، وتجلّى الحقّ لهم وأطلع عليهم ؛ فصدق فيهم
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
أيّها المخاطب كلّ من كان ؛ وقد قيل ( وحقا قيل ) :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
وأطلعناهم على أسرار الكتاب وهم الأئمّة المنصوص عليهم من آبائهم الطاهرين
يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
المنصوص عليهم بعدهم . فإنّ الإمام من يعرف نطفته التي عليها نفس خاتم النبوّة ، فهم يعرفون هذا الرسول النبيّ الأمّيّ والدّين الطاهر الحنيفي كما يعرفون نطفهم الطاهرة وذرّيّتهم الزاكية ، وصدقا قيل : الحقّ شخص محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - فهو الحقّ وهو الحاقّ ، وهو الصدق وهو الصادق ، وكذلك المعاني إذا اتّحدت بالأشخاص .
قوله - جلّ وعزّ - :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 148 ]
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 )
النظم
قد بيّن الربّ قبلة هذه الأمّة وعيّنها وأمرهم بالتوجّه إليها ، ثمّ بيّن بعد ذلك أنّ لكلّ وجهة وقبلة متوجّهون إليها ، وملّة يتبعونها ، فاستبقوا الخيرات بامتثال الأمر ولزوم الجماعة أينما تكونوا يأت بكم اللّه جميعا ، فيجازيكم على أعمالكم .