كلّ الثمرات ، أي لصاحبه فيها من كلّ الثمرات ، غير النخيل والأعناب ، وأصابه الكبر ، أي الهرم الذي يقعده عن الكسب ، وله ذرّيّة ضعفاء : أولاد صغار عجزة عن الكسب ؛ فأصابها إعصار ، أي ريح شديدة فيها نار وهي السموم ؛ والإعصار في اللغة الريح العاصفة التي تهبّ من الأرض إلى السماء كأنّها عمود ؛ فاحترقت ولم يبق منها شيء .
قال الفرّاء : « 1 » عطف بماض على مستقبل في قوله :
« أَ يَوَدُّ »
« فَأَصابَها »
، ويجوز ذلك في يودّ ؛ فإنّها تتلى مرّة ب « أن » ومرّة ب « لو » وتقديره أيوّد أحدكم لو كانت له جنّة وأصابه الكبر ؛ وقال الكسائي : والعرب تقول وددت أن تفعل كذا ووددت لو فعلت ، قال تعالى :
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ
أي أن تدهن .
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ
بهذه الأمثال
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
في أحوالكم ومآلكم .
الأسرار
قال المتفكّرون في الآيات والأمثال : هذا مثل لجميع فرق الزيغ والضلال والمتكبّرين في الأرض بغير الحقّ يمدّهم اللّه تعالى بنعيم الدنيا ، فيتمتّعون بها طول عمرهم إلى الكبر والهرم ، ثمّ يحبط أعمالهم إحباط إعصار فيه نار ، فتحترق ، فلا يبقى لهم شيء منها ينفعهم في الآخرة ويصاحبهم فيها ، وهذا على خلاف المثل المضروب للمؤمنين ؛ فإنّ تلك الجنّة أصابها وابل ، فآتت أكلها ضعفين ، وهذه الجنّة أصابها إعصار فيه نار ، فاحترقت ؛ فالعملان متشابهان في الأوّل : جنّة وجنّة ، وأكل وأكل ، وأشجار ( 414 آ ) وأشجار ، وثمرات وثمرات ؛ وهما متباينان في الآخر حيث كان الوابل والطل لتلك الجنّة والإعصار والنار لهذه الجنّة .
وسرّ آخر : العلوم التي تتلقّى من الكتاب والسنّة كجنّة بربوة هي ربوة النبوّة يصيبها وابل فهو وابل الوحي ؛ فآتت أكلها ضعفين : أكل الحكمة والموعظة الحسنة ، واللّه يضاعف لمن يشاء ، والضعفان ضعف التنزيل والتأويل والظاهر والباطن ؛ وإن لم يصبها وابل فطلّ هو طلّ الإلهام ؛ فآتت أكلها ضعفا هو ضعف التنزيل أو التأويل ، أو الظاهر أو الباطن ، أو حكم الأوّل
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو .