نبيّ ونبيّ في العلم والدرجة . قال اللّه تعالى :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ .
وكما كانت أطوار الخلقة في الإنسان متفاضلة ؛ فطور النطفة فوق طور السلالة ، وطور العلقة فوق طور النطفة ؛ وعلى هذا إلى تمام الخلقة والخلق الآخر وذلك كماله ، كذلك أدوار الشريعة في الأزمان متفاضلة ؛ فدور نوح فوق دور آدم ، ودور إبراهيم فوق دور نوح ، وعلى هذا إلى تمام النعمة وكمال الدين .
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وكما كان كلّ صاحب طور في الخلقة من الملائكة فضله وشرفه على قدر شرف طوره ، كذلك كلّ صاحب دور في الشريعة من الأنبياء فضله وشرفه على قدر شرف دوره ؛ ولمّا كان دور موسى - عليه السلام - ممّا يوازي طور اتّصال النفس الناطقة بالجنين حتّى يصير مستعدّا للنطق والكلام كان المخصوص به منهم من كلّم اللّه :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ؛
ولمّا كان دور عيسى - عليه السلام - ممّا يوازي ( 394 آ ) طور إيصال النفس العاقلة حتّى يصير مستعدّا للفهم والعلم كان المخصوص به روح القدس : و
أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
لينطبق الأمر على الخلق ؛ وإنّ اللّه تعالى أسّس دينه على مثال خلقه .
وسرّ آخر : وكما ثبت الترتيب في جانب الأنبياء - عليهم السلام - كذلك ثبت التضادّ في جانب سائر الخلق . فمنهم من آمن ومنهم من كفر ليعرف أنّ وضع الخلق والأمر على التضادّ والترتّب ؛ فبالتضادّ يقتتلون وبالترتّب يتعاونون ، وكلاهما بمشيئة اللّه تعالى من غير حجّة عليه ولا مثل منه .
وقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا
حكم بالمفروغ وقوله :
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
حكم بالمستأنف . فالناس مجبورون بشرط أنّهم مختارون ، ومختارون بشرط أنّهم مجبورون ، ولا تناقض في الحكمين ؛ ومشيئة اللّه فوق كلّ مشيئة ؛ وحكم اللّه محيط بكلّ حكم ، ولكنّ اللّه يفعل ما يريد .
وقد روى الحارث الأعور أنّ رجلا قام إلى عليّ - رضي اللّه عنه - فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرني عن القدر ؛ فقال : « طريق مظلم فلا تسلكه . » فأعاد الرجل ، فقال : « بحر عميق فلا تلجه . » ثمّ قال في الثالثة : « أيّها السائل ! إنّ اللّه خلقك كما شئت أو كما شاء ؟ » قال : كما شاء . قال : « فيبعثك يوم القيامة كما شاء أو كما شئت ؟ » قال : كما شاء . ثمّ قال : « أيّها السائل !
أ