الأسرار
قال القوم الذين اعتبروا بقصص القرآن : إنّ الذين برزوا لجالوت وجنوده سألوا ثلاثة أشياء من اللّه تعالى : الصبر والثبات والنصر ؛ إذ عرفوا أنّها من عند اللّه لا من حولهم وقوّتهم .
أمّا الصبر قال :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
وأمّا الثبات فقال :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
وأمّا النصر فقال :
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ *
ردّا على القدرية
فَهَزَمُوهُمْ
بإذن اللّه ؛ وكما ذكر في القصّة هزموهم بقتل جالوت رجل واحد وكان القاتل رجلا واحدا هو داود - عليه السلام - وذلك قول النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّ اللّه ليدفع بالرجل الصالح مائة أهل بيت » 159 وكان الرجل الوحيد والإمام الأعظم والصابر الثابت في القوم داود - عليه السلام - وكان طالوت كالمستودع ملكا ، لا كالمستقرّ نبوّة ، ولذلك استحال حاله حرصا على الملك ، وطلبا للزيادة في الجاه والمال من غير منازعة ومدافعة ، ونسأل اللّه العافية على كلّ حال .
وسرّ آخر : في الأحجار الثلاثة التي سمّى عليها داود - عليه السلام - الأسامي الثلاثة ، وهي أخصّ الدعوات إله إبراهيم ، إله إسحاق ، إله يعقوب ؛ وهو اللّه إله كلّ شيء ، فلولا سرّ في الخصوص برجل من الرجال وإلّا لما أثر الحجر المتّخذ منها ذلك التأثير . سبحان اللّه ! سأل اللّه في الأوّل ثلاث خصال وسأل اللّه في الآخر بثلاثة رجال ؛ فأجابه اللّه تعالى وهي ثلاث إجابات : قتل العدوّ وإيتاء الملك وتعليمه ممّا يشاء ؛ وفي هذه الأمّة يوم بدر كيوم نهر ، وعدد أهل بدر كعدد أهل نهر ، ودعاؤهم كدعائهم . كان النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - ( 393 آ ) :
يدعو يوم بدر « يا صريخ المكروبين يا مجيب المضطرّين يا كاشف الكرب العظيم يا إلهي وإله آبائي الأوّلين اكشف عنّا كربنا وغمّنا وهمّنا واصرف عنّا شرّ هؤلاء القوم بحولك وقوّتك وقدرتك . » 160 انظر إلى المناسبات . وممّا يتعجّب منه أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - لمّا رمى بتلك الأحجار ووصلت إلى عيون الفجّار وقال : « شاهت العيون » 161 قال اللّه :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ،
كيف أعمى اللّه أبصارهم بها كما أهلك جالوت بتلك الأحجار ، وما رمى داود إذ رمى ولكنّ اللّه رمى ، وكان البدء في حرب بدر لثلاثة رجال حمزة بن عبد المطلّب وعبد اللّه بن الحارث بن عبد المطلّب وعليّ بن أبي طالب بن