وقوله :
حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ .
قال المفسّرون « 1 » : حتّى تنقضي العدّة والمكتوب أربعة أشهر وعشرا ؛ وقال أبو إسحاق : معناه حتّى يبلغ فرض الكتاب أي ما كتب أجله نهايته . قال : ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى الفرض فيكون المعنى حتّى يبلغ الفرض أجله ،
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
أي فرض ؛ وقال بعضهم : المراد بالكتاب القرآن أي العدّة التي كتب عليها في الكتاب ؛ وقيل : معناه حتّى يبلغن أجل الكتاب ، ومن بلغ الشيء فقد بلغه ذلك الشيء .
ثمّ قال :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ
من هواهنّ ونكاحهنّ وما تعتقدونه من التعريض والتصريح ومن الإخلاص ( 376 ب ) للّه والتعظيم لأمره .
فَاحْذَرُوهُ
أي فاحذروا عقابه ولا تغترّوا بستره العاجل وإمهاله .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
ستّار لذنوبكم
حَلِيمٌ
لا يعجل بمؤاخذتكم ومعاقبتكم ولا تزعجه معاصي العبيد كما تزعج الآدميّين .
[ الأسرار ]
قال الراجون لرحمته ومغفرته : فرض اللّه تعالى العدّة على النساء دون الرجال ؛ والعدّة تستبطن معنيين : أحدهما معرفة براءة الرحم ، ولم تخل عدّة الوفاة عن هذا المعنى ، وإن كانت واجبة على من لم يدخل بها ، بدليل أنّ الحامل إذا وضعت الحمل فقد انقضت عدّتها ، فكان من هذا الوجه خصوصها بجانب النساء لمعنى يختصّ بهنّ ؛ والمعنى الثاني الحداد لمفارقة الزوج مقدّرا على فرط الوداد لمواصلة الزوج ، ولمّا كانت قوّتهنّ على اجتراع غصّة الفراق أقلّ وأضعف كانت المدّة في حقّهنّ أكثر ليكون صبرهنّ عن الأزواج أكبر وأجرهنّ أوفر .
وسرّ آخر : الأزدواج بين الزوجين على وزان الازدواج بين الروح والجسد ، ومثابة الروح مثابة الزوج ، ومثابة الجسد مثابة الزوجة ، وكانت الزوج تتربّص أربعة أشهر وعشرا انتظارا للاتّصال بالجسد ؛ فلمّا بلغ الكتاب أجله تحقّق العزم على عقدة النكاح ، وكما جعلت هذه المدّة عدّة في الطبيعة لاتّصال الزوجين كذلك جعلت هذه المدّة عدّة في الشريعة لفراق الزوجين ، تقديرا للخلقي على الأمري وتطبيقا للطبيعة على الشريعة .
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .