وقوله :
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
فيها ، والدلائل الواضحة عليها ، وهذا اختيار ابن جرير ؛ وقال أبو إسحاق : الكناية راجعة إلى محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - أو كتابه وقد جاءتهم البيّنات على صدقه وكتابه .
بَغْياً
من اليهود والنصارى .
وبغيا نصب على معنى مفعول له أي لأجل البغي والحسد وطلب الرياسة .
وقوله :
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
« 1 » أي بمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وانّما آمنوا لأنّ اللّه هداهم ، وإنّما هداهم لأنّهم آمنوا ؛ فعرّفهم ما بدّله اليهود وحرّفوه امتنانا منه عليهم
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ .
الأسرار
قال الذين هداهم اللّه : في الآية إشكالات منها قوله :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
إمّا على الحقّ كما قال قوم ، وإمّا على الباطل كما قال قوم ؛ فإن كانوا كلّهم على الحقّ أو كلّهم على الباطل فكيف بعث اللّه النبيّين مبشّرين ومنذرين ؟ ! والتبشير والإنذار إنّما يكون لمحقّ ومبطل ، ويدلّ بعث الرسل على أنّ بعضهم كانوا على الحقّ ؛ فيستحقّ البشارة وبعضهم كانوا على الباطل فيستحقّ الإنذار ؛ فما معنى إذا : كان الناس أمّة واحدة على التساوي في الدين ؟
وليس ينحلّ هذا الإشكال من التفاسير التي ذكرناها على اختلاف أقاويل المفسّرين إلّا أن نسلك طريق الهداة المهديّين في رعاية الكونين والحكمين : حكم المشابهة وحكم المباينة ؛ كان الناس أمّة واحدة على التشابه في الفطرة الأولى وهو الاعتراف بصانع حكيم قادر عليهم كما ورد في الخبر : « خلق اللّه العباد على معرفته » 106 وكما قالوا بلى ، وكما لو سألتهم من خلقهم ليقولنّ اللّه اعترافا منهم لضرورة الفطرة بكونه خالقا ؛ وإنّما الخلاف ( 347 آ ) جاء والإنكار حصل على كونه أمرا ، وأمره إنّما ينزل على بشر في طيّ كتاب ؛ فقوله : كان الناس أمّة واحدة إشارة إلى الفطرة الأولى وهي المعرفة بكونه خالقا ؛ فتعبّدوا بالاعتراف بكونه أمرا لتحصل الفطرة الثانية بأن بعث اللّه النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ حتّى يعرفوه كما أمرهم على لسان رسله في كتبه لا كما يتصرّفون في
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .